Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير زاد المسير في علم التفسير/ ابن الجوزي (ت 597 هـ) مصنف و مدقق


{ سُبْحَانَ ٱلَّذِى أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ إِلَىٰ ٱلْمَسْجِدِ ٱلأَقْصَا ٱلَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَآ إِنَّهُ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلبَصِيرُ }

قوله تعالى: { سبحان } " روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سئل عن تفسير: «سبحان الله»، فقال: «تنزيه لِله عن كل سوءٍ» " ، وقد ذكرنا هذا المعنى في [البقرة: 32]. قال الزجاج: و«أسرى»: بمعنى: سيَّر عبده، يقال: أسريت وسريت: إِذا سرت ليلاً. وقد جاءت اللغتان في القرآن. قال الله تعالى:والليل إِذا يسرِ } [الفجر: 4].

وفي معنى التسبيح هاهنا قولان.

أحدهما: أن العرب تسبِّح عند الأمر المعجب، فكأن الله تعالى عجَّب العباد مما أسدى إِلى رسوله من النعمة.

والثاني: أن يكون خرج مخرج الرد عليهم، لأنه لما حدَّثهم بالاسراء، كذبوه، فيكون المعنى: تنزه الله أن يتخذ رسولا كذاباً. ولا خلاف أن المراد بعبده هاهنا: محمد صلى الله عليه وسلم.

وفي قوله: { من المسجد الحرام } قولان.

أحدهما: أنه أُسري به من نفس المسجد، قاله الحسن، وقتادة، ويسنده حديث مالك بن صعصعة، وهو في «الصحيحين» «بينا أنا في الحطيم» وربما قال بعض الرواة: في «الحِجر».

والثاني: أنه أُسري به من بيت أم هانىء، وهو قول أكثر المفسرين، فعلى هذا يعني بالمسجد الحرام: الحرم. والحرم كلُّه مسجد، ذكره القاضي أبو يعلى وغيره.

فأما { المسجد الأقصى } فهو بيت المقدس، وقيل له: الأقصى، لبُعد المسافة بين المسجدَين. ومعنى { باركنا حوله }: أن الله أجرى حوله الأنهار، وأنبت الثِّمار. وقيل: لأنه مَقَرُّ الأنبياء، ومَهْبِطُ الملائكة.

واختلف العلماء، هل دخل بيتَ المقدس، أم لا؟ فروى أبو هريرة أنه دخل بيت المقدس، وصلّى فيه بالأنبياء، ثم عُرِج به إِلى السماء. وقال حُذيفة بن اليمان: لم يدخل بيت المقدس ولم يصلِّ فيه، ولا نزل عن البُراق حتى عُرج به.

فان قيل: ما معنى قوله: { إِلى المسجد الأقصى } وأنتم تقولون: صعِد إِلى السماء؟

فالجواب: أن الإِسراء كان إِلى هنالك، والمعراج كان من هنالك.

وقيل: إِن الحكمة في ذِكْر ذلك، أنه لو أخبر بصعوده إِلى السماء في بَدْءِ الحديث، لاشتد إِنكارهم، فلما أخبر ببيت المقدس، وبان لهم صدقُه فيما أخبرهم به من العلامات الصادقة، أخبر بمعراجه.

قوله تعالى: { لنُرِيَه من آياتنا } يعني: ما رأى، أي: تلك الليلة من العجائب التي أَخبر بها الناس. { إِنه هو السميع } لمقالة قريش، { البصير } بها. وقد ذكرنا في كتابنا المسمى بـ «الحدائق» أَحاديث المعراج، وكرهنا الإِطالة هاهنا.