Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز/ ابن عطية (ت 546 هـ) مصنف و مدقق


{ وَنَادَىۤ أَصْحَابُ ٱلْجَنَّةِ أَصْحَابَ ٱلنَّارِ أَن قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقّاً فَهَلْ وَجَدتُّم مَّا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقّاً قَالُواْ نَعَمْ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَن لَّعْنَةُ ٱللَّهِ عَلَى ٱلظَّالِمِينَ } * { ٱلَّذِينَ يَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجاً وَهُمْ بِٱلآخِرَةِ كَافِرُونَ }

هذا إخبار من الله عز وجل عما يكون منهم، وعبر عن معان مستقبلة بصيغة ماضية وهذا حسن فيما يحقق وقوعه، وهذا النداء من أهل الجنة لأهل النار تقريع وتوبيخ وزيادة في الكرب وهو بأن يشرفوا عليهم ويخلق الإدراك في الأسماع والأبصار، وقرأ جمهور الناس " نعَم " بفتح العين، وقرأ الكسائي " نعِم " بكسر العين ورويت عن عمر بن الخطاب وعن النبي صلى الله عليه وسلم وقرأها ابن وثاب والأعمش قال الأخفش هما لغتان، ولم يحك سيبويه الكسر، وقال: " نعم " عدة وتصديق أي مرة هذا ومرة هذا، وفي كتاب أبي حاتم عن الكسائي عن شيخ من ولد الزبير قال: ما كنت أسمع أشياخ قريش يقولون: إلا " نعِم " بكسر العين ثم فقدتها بعده، وفيه عن قتادة " عن رجل من خثعم قال: قلت للنبي صلى الله عليه وسلم: أنت تزعم أنك نبي:؟ قال: " نعِم " بكسر العين " ، وفيه عن أبي عثمان النهدي قال: سأل عمر عن شيء فقالوا نعم، فقال عمر: النعم الإبل والشاء، وقولوا " نعِم " بكسر العين. قال أبو حاتم: وهذه اللغة لا تعرف اليوم بالحرمين، وقوله { فأذن مؤذن بينهم } الآية؛ قال أبو علي الفارسي والطبري وغيرهما: " أذن مؤذن " بمعنى أعلم معلم، قال سيبويه: أذنت إعلام بتصويت، وقرأ ابن كثير في رواية قنبل ونافع وأبو عمر وعاصم " أنْ لعنةُ الله " بتخفيف " أنْ " من الثقيلة ورفع اللعنة.

وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي وابن كثير في رواية البزي وشبل " أنّ لعنةَ " بتثقيل " أنّ " ونصب اللعنة، وكلهم قرأ التي في النورأنّ لعنة الله } [النور:7] وأنّ غضب الله } [النور:9] بتشديد النون غير نافع فإنه قرأهما " أنْ لعنة الله وأنْ غضب " مخففتين، وروى عصمة عن الأعمش " مؤذن بينهم إن " بكسر الألف على إضمار قال.

قال القاضي أبو محمد: لما كان الأذان قولاً، و " الظالمون " في هذه الآية: الكافرون، ثم ابتدأ صفتهم بأفعالهم في الدنيا ليكون علامة أن أهل هذه الصفة هم المراد يوم القيامة بقوله { أن لعنة الله على الظالمين } و { يصدون } معناه يعرضون، و " السبيل " الطريق والمنهج ويذكر ويؤنث وتأنيثها أكثر، { ويبغونها } معناه: يطلبونها أو يطلبون لها، فإن قدرت يطلبونها فـ { عوجاً } نصب على الحال، ويصح أن يكون من الضمير العائد على السبيل أي معوجه، ويصح أن يكون من ضمير الجماعة في { يبغونها } أي معوجين، وإن قدرت { يبغونها } يطلبون لها وهو ظاهر تأويل الطبري رحمه الله فـ { عوجاً } مفعول بيبغون، والعِوج بكسر العين في الأمور والمعاني، والعَوج بفتح العين في الأجرام والمتنصبات.