Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز/ ابن عطية (ت 546 هـ) مصنف و مدقق


{ نَحْنُ أَوْلِيَآؤُكُمْ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا وَفِي ٱلآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِيۤ أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ } * { نُزُلاً مِّنْ غَفُورٍ رَّحِيمٍ } * { وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِّمَّن دَعَآ إِلَى ٱللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ ٱلْمُسْلِمِينَ } * { وَلاَ تَسْتَوِي ٱلْحَسَنَةُ وَلاَ ٱلسَّيِّئَةُ ٱدْفَعْ بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا ٱلَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ } * { وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ ٱلَّذِينَ صَبَرُواْ وَمَا يُلَقَّاهَآ إِلاَّ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ }

المتكلم بـ { نحن أولياؤكم } هم الملائكة القائلون: " لا تخافوا ولا تحزنوا " أي يقولون للمؤمنين عند الموت وعند مشاهدة الحق نحن كنا أولياءكم في الدنيا ونحن هم في الآخرة. قال السدي المعنى: نحن حفظَتكُم في الدنيا وأولياؤكم في الآخرة، والضمير في قوله: { فيها } عائد على الآخرة. و: { تدعون } معناه: تطلبون. و: { نزلاً } نصب على المصدر. وقراءة الجمهور: بضم الواو. وقرأ أبو حيوة: بإسكانها.

وقوله تعالى: { ومن أحسن قولاً } الآية ابتداء توصية محمد عليه السلام، وهو لفظ يعم كل من دعا قديماً وحديثاً إلى الله تعالى وإلى طاعته من الأنبياء والمؤمنين، والمعنى: لا أحد أحسن قولاً ممن هذه حاله، وإلى العموم ذهب الحسن ومقاتل وجماعة، وبين أن حالة محمد عليه السلام كانت كذلك مبرزة إلى تخصيصه بالآية ذهب السدي وابن زيد وابن سيرين. وقال قيس بن أبي حازم وعائشة أم المؤمنين وعكرمة: نزلت هذه الآية في المؤذنين. قال قيس: { وعمل صالحاً } هو الصلاة بين الآذان والإقامة. وذكر النقاش ذلك عن ابن عباس، ومعنى القول بأنها في المؤذنين أنهم داخلون فيها، وأما نزولها فبمكة بلا خلاف ولم يكن بمكة آذان وإنما ترتب بالمدينة، وأن الآذان لمن الدعاء إلى الله تعالى ولكنه جزء منه. والدعاء إلى الله بقوة كجهاد الكفار وردع الطغاة وكف الظلمة وغيره أعظم غناء من تولي الاذان إذ لا مشقة فيه والأصوب أن يعتقد أن الآية نزلت عامة. قال زيد بن علي المعنى: دعا إلى الله بالسيف.

وقرأ الجمهور: " إنني " بنونين. وقرأ ابن أبي عبلة: " إني " بنون واحدة.

وقال فضيل بن رفيدة: كنت مؤذناً في أصحاب ابن مسعود، فقال لي عاصم بن هبيرة: إذا أكملت الآذان فقل: { إنني من المسلمين } ثم تلا هذه الآية.

ثم وعظ تعالى نبيه عليه السلام ونبهه على أحسن مخاطبة، فقرر أن الحسنة والسيئة لا تستوي، أي فالحسنة أفضل، وكرر في قوله: { ولا السيئة } تأكيداً ليدل على أن المراد: ولا تستوي الحسنة والسيئة ولا السيئة والحسنة، فحذف اختصاراً ودلت { لا } على هذا الحذف.

وقوله تعالى: { ادفع بالتي هي أحسن } آية جمعت مكارم الأخلاق وأنواع الحلم، والمعنى: ادفع أمورك وما يعرضك مع الناس ومخالطتك لهم بالفعلة أو بالسيرة التي هي أحسن السير والفعلات، فمن ذلك بذل السلام، وحسن الأدب، وكظم الغيظ، والسماحة في القضاء والاقتضاء وغير ذلك. قال ابن عباس: إذا فعل المؤمن هذه الفضائل عصمه الله من الشيطان وخضع له عدوه، وفسر مجاهد وعطاء هذه الآية بالسلام عند اللقاء، ولا شك أن السلام هو مبدأ الدفع بالتي هي أحسن وهو جزء منه، ثم قال تعالى: { كأنه ولي حميم } فدخل كاف التشبيه لأن الذي عنده عداوة لا يعود ولياً حميماً، وإنما يحسن ظاهره فيشبه بذلك الولي الحميم.

السابقالتالي
2