Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز/ ابن عطية (ت 546 هـ) مصنف و مدقق


{ فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَن قَالُواْ ٱقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ فَأَنْجَاهُ ٱللَّهُ مِنَ ٱلنَّارِ إِنَّ فِي ذٰلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ } * { وَقَالَ إِنَّمَا ٱتَّخَذْتُمْ مِّن دُونِ ٱللَّهِ أَوْثَاناً مَّوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضاً وَمَأْوَاكُمُ ٱلنَّارُ وَمَا لَكُمْ مِّن نَّاصِرِينَ }

قرأ الجمهور " جوابَ " بالنصب، وقرأ الحسن " جوابُ " بالرفع، وكذلك قرأ سالم الأفطس، وأخبر الله تعالى عنهم أنهم لما بين إبراهيم الحجج وأوضح أمر الدين رجعوا معه إلى الغلبة والقهر والغشم وعدوا عن طريق الاحتجاج حين لم يكن لهم قبل به فتآمروا في قتله أو تحريقه بالنار، وأنفذوا أمر تحريقه حسبما قد اقتص في غير هذا الموضع، " وأنجاه الله " تعالى من نارهم بأن جعلها عليه برداً وسلاماً، قال كعب الأحبار: ولم تحرق النار إلا الحبل الذي أوثقوه به، وجعل ذلك آية وعبرة ودليلاً على وحدانيته لمن شرح صدره ويسره للإيمان أي هذا الصنف ينتفع بالآية والكفار هي عليهم عمى وإن كانت في نفسها آية للكل، ثم ذكر تعالى أن إبراهيم عليه السلام قررهم على أن اتخاذهم الأوثان والأنصاب إنما كان اتباعاً من بعضهم لبعض وحفظاً لموداتهم ومحباتهم الدنياوية، وأنهم يوم القيامة يجحد بعضهم بعضاً ويتلاعنون لأن توادهم كان على غير تقوى، والأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين، وقرأ عاصم في رواية الأعمش عن أبي بكر عنه " مودةٌ " بالرفع " بينَكم " بالنصب وهي قراءة الحسن وأبي حيوة.

وقرأ أبو عمرو وابن كثير والكسائي في رواية المفضل " مودةُ " بترك التنوين والرفع " بينِكم " بالخفض، وقرأ نافع وابن عامر وعاصم في رواية أبي بكر وأبو عمرو في رواية أبي زيد " مودةً بينَكم " بالتنوين والنصب ونصب " بين " ، وقرأ حمزة " مودةَ " بالنصب وترك التنوين والإضافة إلى " بين " ، فأما قراءتا الرفع في " مودة " فوجههما أن يكون " ما " بمعنى الذي وفي قوله { اتخذتم } ضمير عائد على الذي، وهذا الضمير هو مفعول أول لـ { اتخذتم } ، و { أوثاناً } مفعول ثان، و " مودة " خبر " إن " في قراءة من نونها، وفي قراءة من لم ينونها ويجوز أن تكون " ما " كافة ولا يكون في قوله { اتخذتم } ضمير ويكون قوله { أوثاناً } مفعولاً لقوله { اتخذتم } ثم يقتصر عليه، ويقدر الثاني آلهة أو نحوه، كما يقدر قوله تعالىإن الذين اتخذوا العجل } [الأعراف: 152] أي إلهاًسينالهم غضب } [الأعراف: 152]، ويكون قوله " مودةٌ " خبر ابتداء تقديره هو مودة وفي هذه التأويلات مجاز واتساع في تسمية الأوثان " مودة " أو يكون ذلك على حذف مضاف، وأما من نصب مودة فعلى أن " ما " كافة وعلى خلو { اتخذتم } من الضمير والاقتصار على المفعول الواحد كما تقدم ويكون نصب " المودة " على المفعول من أجله، ومن أضاف " المودة " إلى " البين " في القراءتين بالنصب والرفع تجوز في ذلك وأجرى الظرف مجرى الأسماء، ومن نصب " بينَكم " في قراءتي الرفع والنصب في " مودة " فكذلك يحتمل أن ينتصب انتصاب الظروف ويكون معلقاً بـ " مودة " وكذلك { في الحياة الدنيا } ظرف أيضاً متعلق بـ " مودة " وهو مصدر عمل في ظرفين من حيث افترقا بالمكان والزمان ولو كانا لواحد منهما لم يجز ذلك، تقول رأيت زيداً أمس في السوق ولا تقول رأيت زيداً أمس البارحة اللهم إلا أن يكون أحد الظرفين جزءاً للآخر، رأيت زيداً أمس عشية، ويجوز أن ينتصب " بينكم " على أنه صفة لـ " مودة " فهنا محذوف مقدر تقديره " مودة " ثابتة " بينكم " ، وفي الظرف ضمير عائد على " مودة " لما حذفت ثابتة استقر الضمير في الظرف نفسه، وقوله { في الحياة الدنيا } ظرف في موضع الحال من الضمير الكائن في { بينكم } بعد حذف ثابتة فهذه الحال متعلقة بـ " مودة " وجاز تعلقها بها، وهي قد وصفت لأن معنى الفعل فيها، وإن وصفت فلا يمتنع أن يعمل معنى الفعل إلا في المفعول، فأما في الظرف والحال فيعمل، قال مكي: ويجوز أن يكون { في الحياة } صفة ثابتة لـ " مودة " ويكون فيها مقدر مستقر وفيها ضمير ثان عائد إلى " مودة " فالتقدير على هذا مودة ثابتة بينكم مستقرة في الحياة الدنيا.

السابقالتالي
2