Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز/ ابن عطية (ت 546 هـ) مصنف و مدقق


{ يٰيَحْيَىٰ خُذِ ٱلْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ ٱلْحُكْمَ صَبِيّاً } * { وَحَنَاناً مِّن لَّدُنَّا وَزَكَاةً وَكَانَ تَقِيّاً } * { وَبَرّاً بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُن جَبَّاراً عَصِيّاً } * { وَسَلاَمٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَياً }

المعنى فولد له وقال الله تعالى للمولود { يا يحيى } ، وهذا اختصار ما يدل الكلام عليه. و { الكتاب } التوراة بلا اختلاف لأنه ولد قبل عيسى ولم يكن الإنجيل موجوداً عند الناس. وقوله { بقوة } أي العلم به والحفظ له والعمل به والالتزام للوازمه ثم أخبر الله تعالى فقال { وآتيناه الحكم صبياً } ، واختلف في { الحكم } فقالت فرقة الأحكام والمعرفة بها، و { صبياً } يريد شاباً لم يبلغ حد الكهول. وقال الحسن { الحكم } النبوة، وفي لفظ صبي على هذا تجوز واستصحاب حال، وقال فرقة { الحكم } الحكمة، وروى معمر في ذلك أن الصبيان دعوه وهو طفل الى اللعب فقال إني لم أخلق للعب فتلك الحكمة التي آتاه الله عز وجل وهو صبي أهم لذاته اللعب. وقال ابن عباس: من قرأ القرآن من قبل أن يحتلم فهو ممن " أوتي الحكم صبياً " ، وقوله { وحناناً } عطف على قوله { الحكم } { وزكاة } عطف عليه، أعمل في جميع ذلك { آتيناه } ، ويجوز أن يكون قوله { وحناناً } عطفاً على قوله { صبياً } ، أي وبحال حنان منا وتزكية له والحنان الرحمة والشفقة والمحبة قاله جمهور المفسرين، وهو تفسير اللغة. وهو فعل من أفعال النفس ويقال حنانك وحنانيك، فقيل هما لغتان بمعنى واحد، وقيل حنانيك تثنية الحنان، وقال عطاء بن أبي رباح { حناناً من لدنا } بمعنى تعظيماً من لدنا. والحنان في كلام العرب أيضاً ما عظم من الأمور في ذات الله تعالى، ومن قول زيد بن عمرو بن نفيل في خبر بلال بن رباح " والله لئن قتلتم هذا العبد لأتخذن قبره حناناً ". وقد روي عن ابن عباس أنه قال " والله ما أدري ما الحنان ". و " الزكاة " التطهير والتنمية في وجود الخير والبر. و " التقي " من تقوى الله عز وجل، وروي في تفسير هذه الآية من طريق عبدالله بن عمرو عن النبي عليه السلام أنه قال " كل بني آدم يأتي يوم القيامة وله ذنب إلا ما كان من يحيى بن زكرياء " وقال قتادة: إن يحيى عليه السلام لم يعص الله قط بصغيرة ولا بكبيرة ولا همَّ بأمراة، وقال مجاهد: كان طعام يحيى العشب وكان للدمع في خده مجار ثابتة ومن الشواهد في الحنان قوله امرئ القيس: [الوافر]

وتمنحها بنو شمجى بن جرم   معيزهمُ حنانك ذا الحنان
وقال النابغة: [الطويل]

أبا منذر أفنيت فاستبقِ بعضنا   حنانيك بعض الشر أهون من بعض
وقال الآخر: [منذر بن إبراهيم الكلبي] [الطويل]

فقالت حنان ما أتى بك هاهنا   أذو نسب أم أنت بالحي عارف
وقوله تعالى: { وبراً بوالديه } الآية، " البر " الكثير البر.

السابقالتالي
2