Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز/ ابن عطية (ت 546 هـ) مصنف و مدقق


{ وَإِذَا رَأى ٱلَّذِينَ أَشْرَكُواْ شُرَكَآءَهُمْ قَالُواْ رَبَّنَا هَـٰؤُلآءِ شُرَكَآؤُنَا ٱلَّذِينَ كُنَّا نَدْعُوْا مِن دُونِكَ فَألْقَوْا إِلَيْهِمُ ٱلْقَوْلَ إِنَّكُمْ لَكَاذِبُونَ } * { وَأَلْقَوْاْ إِلَىٰ ٱللَّهِ يَوْمَئِذٍ ٱلسَّلَمَ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ } * { ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَاباً فَوْقَ ٱلْعَذَابِ بِمَا كَانُواْ يُفْسِدُونَ } * { وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً عَلَيْهِمْ مِّنْ أَنْفُسِهِمْ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيداً عَلَىٰ هَـٰؤُلآءِ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ ٱلْكِتَابَ تِبْيَاناً لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَىٰ لِلْمُسْلِمِينَ }

أخبر الله تعالى في هذه الآية أن المشركين إذا رأوا يوم القيامة بأبصارهم الأوثان والأصنام وكل معبود من دون الله لأنها تحشر معهم توبيخاً لهم على رؤوس الأشهاد أشاروا إليهم وقالوا هؤلاء كنا نعبد من دون الله، أرادوا بذلك تذنيب المعبودين وإدخالهم في المعصية، وأضافوا الشركاء إلى أنفسهم من حيث هم جعلوهم شركاء، وهذا كما يصف رجل آخر بأنه خير فتقول أنت ما فعل خيرك فأضفته إليه من حيث وصفه هو بتلك الصفة، والضمير في { أقول } عائد على الشركاء، فمن كان من المعبودين من البشر ألقى القول المعهود بلسانه، وما كان من الجمادات تكلمت بقدرة الله بتكذيب المشركين في وصفهم بأنهم آلهة وشركاء لله، ففي هذا وقع الكذب لا في العبادة وقال الطبري: المعنى إنكم لكاذبون، ما كنا ندعوكم إلى عبادتنا.

قال القاضي أبو محمد: فكأنهم كذبوهم في التذنيب لهم وقوله { وألقوا إلى الله } ، الضمير في { ألقوا } عائد على المشركين، والمعنى ألقوا إليه الاستسلام، وألقوا ما بأيديهم وذلوا لحكمه، ولم تكن لهم حيلة ولا دفع، و { السلم } الاستسلام، وقرأ الجمهور " السلَم " بفتح اللام، وروى يعقوب عن أبي عمرو سكون اللام، وقرأ مجاهد " السُّلُم " بضم السين واللام، وقوله { وضل عنهم } معناه وتلف عنهم كذبهم على الله وافتراؤهم الكفر والتشريك، وقوله { الذين كفروا } الآية، في ضمن قوله { وضل عنهم ما كانوا يفترون } لأنه حل بهم عذاب الله وباشروا نقمته، ثم فسروه فأخبر أن الذين كفروا ومنعوا غيرهم من الدخول في الدين وسلوك سبيل الله زادهم عذاباً أجلّ من العذاب العام لجميع الناس عقوبة على إفسادهم، فيحتمل أن يكون قوله { الذين } بدلاً من الضمير في { يفترون } ، و { زدناهم } فعل مستأنف إخباره، ويحتمل أن يكون { الذين } ابتداء و { زدناهم } خبره، وروي في ذلك أن الله تعالى يسلط عليهم عقارب وحيات لها أنياب كالنخل الطوال، قاله ابن مسعود، وقال عبيد بن عمير: لها أنياب كالنخل وعقارب كالبغال الدهم، ونحو هذا عن عبد الله بن عمرو بن العاصي، إن لجهنم سواحل فيها هذه الحيات وهذه العقارب، فيفر الكافر إلى السواحل من النار، فتلقاهم هذه الحيات والعقارب، فيفرون منها إلى النار فتتبعهم حتى تجد حر النار، فترجع، قال وهي في أسراب، وقوله تعالى { ويوم نبعث } الآية، هذه الآية في ضمنها وعيد، والمعنى واذكر يون نبعث في كل أمة شهيداً عليها، وهو رسولها الذي شاهد في الدنيا تكذيبها وكفرها، وإيمانها وهداها، ويجوز أن يبعث الله شهيداً من الصالحين مع الرسل، وقد قال بعض الصحابة: إذا رأيت أحداً على معصية فانهه فإن أطاعك وإلا كنت شهيداً عليه يوم القيامة، { من أنفسهم } بحسب أن بعثة الرسل كذلك، في الدنيا وذلك أن الرسول الذي من نفس الأمة في اللسان والسير وفهم الأغراض والإشارات يتمكن له إفهامهم والرد على معانديهم، ولا يتمكن ذلك من غير من هو من الأمة، فلذلك لم يبعث الله قط نبياً إلا من الأمة المبعوث إليهم، وقوله { هؤلاء } إشارة إلى هذه الأمة و { الكتاب } القرآن، وقوله { تبياناً } اسم وليس بالمصدر، وهو كالنقصان، والمصادر في مثل هذا، التاء فيها مفتوحة كالترداد والتكرار، ونصب { تبياناً } على الحال.

السابقالتالي
2