Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير معالم التنزيل/ البغوي (ت 516 هـ) مصنف و مدقق


{ فَلَمَّآ آتَاهُمْ مِّن فَضْلِهِ بَخِلُواْ بِهِ وَتَوَلَّواْ وَّهُمْ مُّعْرِضُونَ } * { فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقاً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَىٰ يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَآ أَخْلَفُواْ ٱللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُواْ يَكْذِبُونَ } * { أَلَمْ يَعْلَمُواْ أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ وَأَنَّ ٱللَّهَ عَلاَّمُ ٱلْغُيُوبِ } * { ٱلَّذِينَ يَلْمِزُونَ ٱلْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ إِلاَّ جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ ٱللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ }

{ فَلَمَّآ آتَاهُمْ مِّن فَضْلِهِ بَخِلُواْ بِهِ وَتَوَلَّواْ وَّهُمْ مُّعْرِضُونَ }.

{ فَأَعْقَبَهُمْ } ، فأخلفهم، { نِفَاقاً فِى قُلُوبِهِمْ } ، أي: صيّر عاقبة أمرهم النفاق، يقال: أعقب فلاناً ندامةٌ إذا صيّر عاقبة أمره ذلك. وقيل: عاقبهم بنفاق قلوبهم. يُقال: عاقبتُه وأعقبته بمعنى واحد. { إِلَىٰ يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ } ، يريد حرمهم التوبة إلى يوم القيامة، { بِمَآ أَخْلَفُواْ ٱللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُواْ يَكْذِبُونَ }.

أخبرنا أبو عبدالله محمد بن الفضل الخرقي، حدثنا أبو الحسن علي بن عبدالله الطيسفوني، حدثنا عبدالله بن عمر الجوهري، حدثنا أحمد بن علي الكشميهني، حدثنا علي بن حجر، حدثنا إسماعيل بن جعفر أخبرنا أبو سهيل نافع بن مالك عن أبيه عن أبي هريرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " آيةُ المنافقِ ثلاث: إذا حدّثَ كذبَ، وإذا وَعَدَ أخلف، وإذا ائتُمِنَ خان ". قوله عز وجل: { أَلَمْ يَعْلَمُواْ أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ } ، يعني: ما أضمروا في قلوبهم وما تناجوا به بينهم، { وَأَنَّ ٱللَّهَ عَلَّـٰمُ ٱلْغُيُوبِ }.

قوله عز وجل: { ٱلَّذِينَ يَلْمِزُونَ ٱلْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ } الآية.

قال أهل التفسير: " حثّ رسولُ الله على الصدقة، فجاء عبدالرحمن بن عوف بأربعة آلاف درهم، وقال: يارسول الله مالي ثمانية آلاف جئتك بأربعة آلاف فاجعلها في سبيل الله، وأمسكتُ أربعة آلاف لعيالي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " بارك الله لك فيما أعطيتَ وفيما أمسكتَ " ، فبارك الله في ماله حتى أنه خلّف امرأتين يوم مات فبلغ ثُمُنُ ماله لهما مائة وستين ألف درهم. وتصدّق يومئذ عاصم بن عدي العجلاني بمائة وَسْقٍ من تمر. وجاء أبو عقيل الأنصاري واسمه الحبحاب بصاع من تمر، وقال: يا رسول الله بتُ ليلتي أجر بالجرير الماءَ حتى نِلتُ صاعين من تمرٍ فأمسكتُ أحدهما لأهلي وأتيتُك بالآخر فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ينثره في الصدقة، فلمزهم المنافقون، وقالوا: ما أعطى عبدالرحمن وعاصم إلا رياءً، وإن الله ورسوله لغنيَّان عن صاع أبي عقيل، ولكنه أراد أن يُذكِّر بنفسه ليعطى من الصدقة " ، فأنزل الله عزّ وجلّ:

{ ٱلَّذِينَ يَلْمِزُونَ } أي: يعيبون { ٱلْمُطَّوِّعِينَ } المتبرعين { مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَـٰتِ } يعني: عبدالرحمن بن عوف وعاصماً. { وَالَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ إِلاَّ جُهْدَهُمْ } ، أي: طاقتهم، يعني: أبا عقيل. والجُهد: الطاقة، بالضم لغة قريش وأهل الحجاز. وقرأ الأعرج بالفتح. وقال القتيبي: الجهد بالضم الطاقة وبالفتح المشقة. { فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ } ، يستهزؤون بهم، { سَخِرَ ٱللَّهُ مِنْهُمْ }. أي: جازاهم الله على السخرية، { وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ }.