Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير معالم التنزيل/ البغوي (ت 516 هـ) مصنف و مدقق


{ قَالَ ٱلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُوۤاْ إِنَّا بِٱلَّذِيۤ آمَنتُمْ بِهِ كَافِرُونَ } * { فَعَقَرُواْ ٱلنَّاقَةَ وَعَتَوْاْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ وَقَالُواْ يَاصَالِحُ ٱئْتِنَا بِمَا تَعِدُنَآ إِن كُنتَ مِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ } * { فَأَخَذَتْهُمُ ٱلرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُواْ فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ } * { فَتَوَلَّىٰ عَنْهُمْ وَقَالَ يَٰقَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَكِن لاَّ تُحِبُّونَ ٱلنَّٰصِحِينَ }

{ قَالَ ٱلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُوۤاْ إِنَّا بِٱلَّذِىۤ ءَامَنتُم بِهِ كَـٰفِرُونَ } ، جاحدون.

{ فَعَقَرُواْ ٱلنَّاقَةَ } ، قال الأزهري: العقر هو قطع عرقوب البعير، ثم جُعل النحر عقراً لأنّ ناحر البعير يعقره ثم ينحره. { وَعَتَوْاْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ } ، والعتوّ الغلو بالباطل، يقال: عتا يعتو عُتُواً: إذا استكبروا، والمعني: عصوا الله وتركوا أمره في الناقة وكذّبوا نبيّهم. { وَقَالُواْ يَاصَـٰلِحُ ٱئْتِنَا بِمَا تَعِدُنَآ } ، أي: من العذاب، { إِن كُنتَ مِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ }.

{ فَأَخَذَتْهُمُ ٱلرَّجْفَةُ } وهي زلزلة الأرض وحركتها وأهلكوا بالصيحة والرجفة، { فَأَصْبَحُواْ فِى دَارِهِمْ } ، قيل: أراد الديار، وقيل: أراد في أرضهم وبلدتهم، ولذلك وحّد الدار، { جَـٰثِمِينَ } ، خامدين ميتين. قيل: سقطوا على وجوههم موتى عن آخرهم.

{ فَتَوَلَّىٰ } أعرض صالح، { عَنْهُمْ وَقَالَ يَـٰقَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّى وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَكِن لاَّ تُحِبُّونَ ٱلنَّـٰصِحِينَ } ، فإن قيل: كيف خاطبهم بقوله لقد أبلغتكم رسالة ربي ونصحتُ لكم بعدما هلكوا بالرجفة؟

قيل: كما " خاطب النبي صلى الله عليه وسلم الكفار من قتلى بدر حين ألقاهم في القليب، فجعل يناديهم بأسمائهم وأسماء آبائهم: أَيَسرّكم أنّكم أطعتم الله ورسوله فإنّا قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقاً، فهل وجدتم ما وعد ربكم حقاً؟ فقال عمر: يا رسول الله ما تكلم من أجساد لا أرواح فيها؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «والذي نفس محمد بيده ما أنتم بأسمع لما أقول منهم، ولكنْ لا يجيبون ". وقيل: خاطبهم ليكون عبرة لمن خلفهم.

وقيل: في الآية تقديم وتأخير تقديرها: فتولّى عنهم، وقال يا قوم لقد أبلغتُكم رسالة ربي فأخذتهم الرجفة.

وكان قصة ثمود على ما ذكره محمد بن إسحاق ووهب وغيرهما: أن عاد لما هلكت وانقضى أمرها عمرت ثمود بعدها، واستخلفوا في الأرض فدخلوا فيها وكثروا وعمروا، حتى جعل أحدهم يبني المسكن من المدر فينهدم والرجل منهم حي، فلما رأوا ذلك اتخذوا من الجبال بيوتاً، وكانوا في سعة من معاشهم فعتوا وأفسدُوا في الأرض وعبدُوا غير الله، فبعث الله إليهم صالحاً وكانوا قوماً عرباً، وكان صالح من أوسطهم نسباً وأفضلهم حسباً وموضعاً، فبعثه الله إليهم غلاماً شاباً، فدعاهم إلى الله حتى شمط وكبر لا يتبعه منهم إلاّ قليل مستضعفون، فلمّا ألحّ عليهم صالح بالدعاء والتبليغ وأكثر لهم التحذير والتخويف سألوه أن يُريهم آية تكون مصداقاً إلى ما يقول، فقال لهم: أيّ آية تريدون؟ قالوا: تخرج معنا غداً إلى عيدنا، وكان لهم عيد يخرجون فيه بأصنامهم في يوم معلوم من السنة فتدعو إلهك وندعوا آلهتنا، فإن استُجيب لك اتبعناك وإن استجيب لنا اتّبعتنا، فقال لهم صالح: نعم، فخرجوا بأوثانهم إلى عيدهم، وخرج صالح معهم فدعوا أوثانهم، وسألوها أن لا يُستجاب لصالح في شيء مما يدعو به، ثم قال جندع بن عمرو بن حوَّاس وهو يومئذ سيد ثمود: يا صالح أخرج لنا من هذه الصخرة - لصخرة منفردة في ناحية الحجر يقال لها الكاثبة - ناقةً مخترجة جوفاء وبراء عشراء - والمخترجة ما شاكل البخت من الإبل - فإن فعلتَ صدّقناك وآمنّا بك، فأخذ عليهم صالح مواثيقهم لئن فعلت لَتُصَدِّقُنِّي ولتؤمُننَّ بي، قالوا: نعم، فصلّى صالح ركعتين ودعا ربه فتمخضت الصخرة تمخض النتوج بولدها، ثم تحركت الهضبة فانصدت عن ناقة عشراء جوفاء وبراء كما وَصَفُوا لا يعلم ما بين جنبيها عِظَماً إلاَّ الله، وهم ينظرون ثم نتجت سقياً مثلها في العظم، فآمن به جندع بن عمرو ورهط من قومه، وأراد أشراف ثمود أن يُؤمنوا به ويصدّقوه فنهاهم ذُؤاب بن عمرو بن لبيد والحباب صاحب أوثانهم ورباب بن صمغر وكان كاهنهم وكانوا من أشراف ثمود.

السابقالتالي
2 3 4 5 6