Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير معالم التنزيل/ البغوي (ت 516 هـ) مصنف و مدقق


{ فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ إِذْ جَآءَهُمْ بَأْسُنَآ إِلاَّ أَن قَالُوۤاْ إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ } * { فَلَنَسْأَلَنَّ ٱلَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ ٱلْمُرْسَلِينَ } * { فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِم بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غَآئِبِينَ } * { وَٱلْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ ٱلْحَقُّ فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ }

{ فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ } ، أي: قولهم ودعاؤهم وتضرّعهم، والدعوى تكون بمعنى الادعاء وبمعنى الدعاء، قال سيبويه: تقول العرب: اللّهمّ أشركنا في صالح دعوى المسلمين، أي في دعائهم، { إِذْ جَآءَهُم بَأْسُنَآ } ، عذابنا، { إِلآ أَن قَالُوۤاْ إِنَّا كُنَّا ظَـٰلِمِينَ } ، معناه لم يقدروا على ردّ العذاب، وكان حاصل أمرهم الاعتراف بالجناية حين لا ينفع الاعتراف.

{ فَلَنَسْـأََلَنَّ ٱلَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ } ، يعني: الأمم عن إجابتهم الرسل، وهذا سؤال توبيخ لا سؤال استعلام، يعني: نسألهم عمّا بلَّغتهم الرسل، { وَلَنَسْـأََلَنَّ ٱلْمُرْسَلِينَ } ، عن الإبلاغ.

{ فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِم بِعِلْمٍ } أي: لنخبرهم عن علم. قال ابن عباس رضي الله عنهما: ينطق عليهم كتاب أعمالهم؛ كقوله تعالى:هَـٰذَا كِتَابُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُم بِٱلْحَقِّ } [الجاثية: 29]. { وَمَا كُنَّا غَآئِبِينَ } ، عن الرسل فيما بلغوا، وعن الأمم فيما أجابوا.

قوله تعالى: { وَٱلْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ ٱلْحَقُّ } ، يعني: يوم السؤال. قال مجاهد: معناه والقضاء يومئذٍ العدل. وقال الأكثرون: أرادَ به وزن الأعمال بالميزان، وذاك أن الله تعالى ينصب ميزاناً له لسان وكفتان كل كفة بقدر ما بين المشرق والمغرب.

واختلفوا في كيفية الوزن، فقال بعضهم: تُوزن صحائف الأعمال: وروينا: " أنّ رجلاً يُنشر عليه تسعة وتسعون سجلاً، كل سجل مدَّ البصر، فيُخرج له بطاقةٌ فيها شهادة أنْ لا إله إلاّ الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، فتوضع السجلات في كفة، والبطاقة في كفة، فطاشت السجلات وثَقُلَتِ البطاقةُ ". وقيل: توزن الأشخاص. وروينا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: " ليأتي الرجلُ العظيمُ السّمينُ يوم القيامة لا يَزِنُ عند الله جناحَ بَعُوضة ". وقيل: تُوزن الأعمال، روي ذلك عن ابن عباس، فيؤتَى بالأعمال الحسنة على صورة حسنة وبالأعمال السيّئة على صورة قبيحة فتوضع في الميزان، والحكمةُ في وزن الأعمال امتحانُ الله عباده بالإيمان في الدنيا وإقامة الحجّة عليهم في العقبى، { فَمَن ثَقُلَتْ مَوَٰزِينُهُ } ، قال مجاهد: حسناته، { فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ }.