Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير معالم التنزيل/ البغوي (ت 516 هـ) مصنف و مدقق


{ هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ مِّن طِينٍ ثُمَّ قَضَىۤ أَجَلاً وَأَجَلٌ مُّسَمًّى عِندَهُ ثُمَّ أَنتُمْ تَمْتَرُونَ } * { وَهُوَ ٱللَّهُ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَفِي ٱلأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ }

قوله عزّ وجلّ: { هُوَ ٱلَّذِى خَلَقَكُمْ مِّن طِينٍ } ، يعني: آدم عليه السلام، خاطبهم به إذ كانوا من ولده، قال السدي: بعث الله تعالى جبريل عليه السلام إلى الأرض ليأتيه بطائفة منها، فقالت الأرض: إني أعوذ بالله منك أن تنقص مني، فرجع جبريل ولم يأخذ وقال: يا ربِّ إنها عاذت بك، فبعث ميكائيل، فاستعاذت فرجع، فبعث ملك الموت فعاذت منه بالله، فقال: وأنا أعوذ بالله أن أخالف أمره، فأخذ من وجه الأرض فخلط الحمراء والسوداء والبيضاء، فلذلك اختلفتْ ألوان بني آدم، ثم عجنها بالماء العذب والملح والمرّ، فلذلك اختلفت أخلاقهم فقال الله تعالى لملك الموت: رحم جبريل وميكائيل الأرض ولم ترحمها، لا جرمَ أجْعَلُ أرواح من أخلق من هذا الطين بيدك.

ورُوي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: " خلق الله آدم عليه السلام من تراب وجعله طيناً، ثم تركه حتى كان حمأً مسنوناً ثم خلقه وصوّره وتركه حتى كان صلصالاً كالفخار، ثم نفخ فيه روحه ". قوله عزّ وجلّ: { ثُمَّ قَضَىۤ أَجَلاً وَأَجَلٌ مُّسمًّى عِندَهُ } ، قال الحسن وقتادة والضحاك: الأجل الأول من الولادة إلى الموت، والأجل الثاني من الموت إلى البعث، وهو البرزخ، ورُوي ذلك عن ابن عباس، وقال: لكل أحد أجلان أجل إلى الموت وأجل من الموت إلى البعث، فإن كان بَرّاً تقياً وَصُولاً للرحم زيد له من أجل البعث في أجل العمر، وإن كان فاجراً قاطعاً للرحم نقص من أجل العمر زيد في أجل البعث، وقال مجاهد وسعيد بن جبير: الأجل الأول أجل الدنيا، والأجل الثاني أجل الآخرة، وقال عطية عن ابن عباس رضي الله عنهما: { ثُمَّ قَضَىۤ أَجَلاً } ، يعني: النوم تقبض فيه الروح ثم ترجع عند اليقظة، { وَأَجَلٌ مُّسمًّى عِندَهُ } ، يعني: أجل الموت، وقيل: هما واحد معناه: [ثم قضى أجلاً] يعني جعل لأعماركم مدة تنتهون إليها، " وأجل مسمى عنده " يعني وهو أجل مسمى عنده لا يعلمه غيره، { ثُمَّ أَنتُمْ تَمْتَرُونَ } ، تشكّون في البعث.

قوله عزّ وجلّ: { وَهُوَ ٱللَّهُ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَفِي ٱلأَرْضِ } ، يعني: وهو إله السموات والأرض؛ كقوله: (وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله)، وقيل: هو المعبود في السموات والأرض، وقال محمد بن جرير: معناه وهو الله في السموات يعلم سركم وجهركم في الأرض، [وقال الزجاج: فيه تقديم وتأخير وتقدير: وهو الله، { يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ } ، في السموات والأرض]، { وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ } ، تعملون من الخير والشر.