الرئيسية - التفاسير


* تفسير معالم التنزيل/ البغوي (ت 516 هـ) مصنف و مدقق


{ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِن جَآءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوۤاْ أَن تُصِيبُواْ قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُواْ عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ } * { وَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ ٱللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِّنَ ٱلأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ ٱلإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ ٱلْكُفْرَ وَٱلْفُسُوقَ وَٱلْعِصْيَانَ أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلرَّاشِدُونَ }

قوله عزّ وجلّ: { يـَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوۤاْ إِن جَآءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوۤاْ } ، الآية نزلت في الوليد ابن عقبة بن أبي مُعيط، بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بني المصطلق بعد الوقعة مصدقاً، وكان بينه وبينهم عداوة في الجاهلية، فلما سمع به القوم تلقوه تعظيماً لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فحدثه الشيطان أنهم يريدون قتله فهابهم فرجع من الطريق إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إن بني المصطلق قد منعوا صدقاتهم وأرادوا قتلي، فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم وهمّ أن يغزوهم، فبلغ القومَ رجوعُه فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: يا رسول الله سمعنا برسولك فخرجنا نتلقاه ونكرمه ونؤدي إليه ما قبلناه من حق الله عزّ وجلّ، فبدا له الرجوع، فخشينا أنه إنما رده من الطريق كتاب جاءه منك لغضب غضبته علينا، وإنّا نعوذ بالله من غضبه وغضب رسوله، فاتّهمهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبعث خالد بن الوليد إليهم خفية في عسكر وأمره أن يخفي عليهم قدومه، وقال له: " انظر فإن رأيت منهم ما يدل على إيمانهم فخذ منهم زكاة أموالهم، وإن لم ترَ ذلك فاستعمل فيهم ما يستعمل في الكفار " ، ففعل ذلك خالد، ووافاهم فسمع منهم أذان صلاتي المغرب والعشاء، فأخذ منهم صدقاتهم، ولم يرَ منهم إلا الطاعة والخير، فانصرف إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخبره الخبر، فأنزل الله تعالى: { يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوۤاْ إِن جَآءَكُمْ فَاسِقُ } يعني الوليد بن عقبة، { بِنَبَإٍ } ، بخبر، { فَتَبَيَّنُوۤاْ أَن تُصيبواْ } ، كي لا تصيبوا بالقتل والقتال، { قَوْماً } ، برآء، { بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُواْ عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَـٰدِمِينَ } ، من إصابتكم بالخطأ. { وَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ ٱللهِ } ، فاتقوا الله أن تقولوا باطلاً أو تكذبوه، فإن الله يخبره ويعرفه أحوالكم فتفتضحوا، { لَوْ يُطِيعُكُمْ } ، أي الرسول، { فِى كَثِيرٍ مِّنَ ٱلأَمْرِ } ، مما تخبرونه به فيحكم برأيكم، { لَعَنِتُّمْ } ، لأثمتم وهلكتم، والعنَتُ: الإِثم والهلاك. { وَلَـٰكِنَّ ٱللهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ ٱلإِيمَانَ } ، فجعله أحب الأديان إليكم، { وَزَيَّنَهُ } ، حسنه { فِى قُلُوبِكُمْ } ، حتى اخترتموه، وتطيعون رسول الله صلى الله عليه وسلم، { وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ ٱلْكُفْرَ وٱلْفُسُوقَ } ، قال ابن عباس: يريد الكذب، { وَٱلْعِصْيَانَ } ، جميع معاصي الله. ثم عاد من الخطاب إلى الخبر، وقال: { أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلرَاشِدونَ } ، المهتدون.