Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير معالم التنزيل/ البغوي (ت 516 هـ) مصنف و مدقق


{ وَأُخْرَىٰ لَمْ تَقْدِرُواْ عَلَيْهَا قَدْ أَحَاطَ ٱللَّهُ بِهَا وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيراً } * { وَلَوْ قَـٰتَلَكُمُ ٱلَّذِينَ كفَرُواْ لَوَلَّوُاْ ٱلأَدْبَارَ ثُمَّ لاَ يَجِدُونَ وَلِيّاً وَلاَ نَصِيراً } * { سُنَّةَ ٱللَّهِ ٱلَّتِي قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ ٱللَّهِ تَبْدِيلاً } * { وَهُوَ ٱلَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُم بِبَطْنِ مَكَّةَ مِن بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ وَكَانَ ٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيراً } * { هُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّوكُمْ عَنِ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ وَٱلْهَدْيَ مَعْكُوفاً أَن يَبْلُغَ مَحِلَّهُ وَلَوْلاَ رِجَالٌ مُّؤْمِنُونَ وَنِسَآءٌ مُّؤْمِنَاتٌ لَّمْ تَعْلَمُوهُمْ أَن تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِّنْهُمْ مَّعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِّيُدْخِلَ ٱللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَن يَشَآءُ لَوْ تَزَيَّلُواْ لَعَذَّبْنَا ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ عَذَاباً أَلِيماً }

قوله عز وجل: { وَأُخْرَىٰ لَمْ تَقْدِرُواْ عَلَيْهَا } ، أي وعدكم الله فتح بلدة أخرى لم تقدروا عليها، { قَدْ أَحَاطَ ٱللهُ بِهَا } ، حتى يفتحها لكم كأنه حفظها لكم ومنعها من غيركم حتى تأخذوها، قال ابن عباس: علم الله أنه يفتحها لكم. واختلفوا فيها، فقال ابن عباس، ومقاتل: هي فارس والروم، وما كانت العرب تقدر على قتال فارس والروم، بل كانوا خولاً لهم حتى قدروا عليها بالإسلام. وقال الضحاك وابن زيد: هي خيبر وعَدَها الله نبيه صلى الله عليه وسلم قبل أن يصيبها، ولم يكونوا يرجونها. وقال قتادة: هي مكة. وقال عكرمة: حنين. وقال مجاهد: ما فتحوا حتى اليوم. { وَكَانَ ٱللهُ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيراً }. { وَلَوْ قَـٰتَلَكُمُ ٱلَّذِينَ كفَرُواْ } يعني: أسد، وغطفان، وأهل خيبر، { لَوَلَّوُاْ ٱلأَدْبَـٰرَ } ، لانهزموا، { ثُمَّ لاَ يَجِدُونَ وَلِيّاً وَلاَ نَصِيراً }. { سُنَّةَ ٱللهِ ٱلَّتِى قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلُ } ، أي كسنة الله في نصر أوليائه وقهر أعدائه، { وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ ٱللهِ تَبْدِيلاً }. قوله عزّ وجلّ: { وَهُوَ ٱلَّذِى كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُم بِبَطْنِ مَكَّةَ مِن بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ وَكَانَ ٱللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيراً } ، قرأ أبو عمرو بالياء، وقرأ الآخرون بالتاء، واختلفوا في هؤلاء: أخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر أخبرنا عبد الغافر بن محمد، أخبرنا محمد بن عيسى الجلودي، حدثنا إبراهيم بن محمد بن سفيان، حدثنا مسلم بن الحجاج، حدثنا عمرو بن محمد الناقد، حدثنا يزيد ابن هارون، أخبرنا حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس بن مالك رضي الله عنهم: أن ثمانين رجلاً من أهل مكة، هبطوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم من جبل التنعيم متسلحين يريدون غدر النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، فأخذوا سلماً فاستحياهم، وأنزل الله عزّ وجلّ هذه الآية: { وَهُوَ ٱلَّذِى كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُم بِبَطْنِ مَكَّةَ مِن بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ }. قال عبد الله بن مغفل المزني: كنّا مع النبي صلى الله عليه وسلم بالحديبية في أصل الشجرة التي قال الله تعالى في القرآن، وعلى ظهره غصن من أغصان تلك الشجرة فرفعته عن ظهره، وعلي بن أبي طالب بين يديه يكتب كتاب الصلح، فخرج علينا ثلاثون شاباً عليهم السلاح فثاروا في وجوهنا، فدعا عليهم نبي الله صلى الله عليه وسلم فأخذ الله بأبصارهم فقمنا إليهم فأخذناهم، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: جئتم في عهد؟ أو هل جعلَ لكم أحدٌ أماناً؟ فقالوا: اللهم لا، فخلى سبيلهم، فأنزل الله عزّ وجلّ هذه الآية. قوله عزّ وجلّ: { هُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّوكُمْ عَنِ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ } الآية. روى الزهري، عن عروة عن الزبير، عن المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم قالا: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من المدينة عام الحديبية في بضع عشرة مائة من أصحابه، يريدون زيارة البيت، لا يريدون قتالاً، وساق معه سبعين بدنةً، والناس سبعمائة رجل، وكانت كل بدنة عن عشرة نفر، فلما أتى ذا الحُلَيفة قلّد الهدي وأشعره وأحرم منها بعمرة، وبعث عيناً له من خزاعة يخبره عن قريش، وسار النبي صلى الله عليه وسلم حتى كان بغدير الأشطاط قريباً من عُسْفان، أتاه عينة الخزاعي وقال: إن قريشاً قد جمعوا لك جموعاً، وقد جمعوا لك الأحابيش، وهم مقاتلوك وصادُّوك عن البيت، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أشيروا عليّ أيها الناس، أترون أن أميل على ذراري هؤلاء الذين عاونوهم فنصيبهم؟ فإن قعدوا قعدوا موتورين، وإن نجوا تكن عُنقاً قطعها الله؟ أو ترون أن نؤم البيت فمن صدَّنا عنه قاتلناه؟ فقال أبو بكر: يا رسول الله إنما خرجت عامداً لهذا البيت لا تريد قتال أحد ولا حرباً، فتوجَّهْ له فمن صدَّنا عنه قاتلناه.

السابقالتالي
2 3 4 5 6 7