Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير معالم التنزيل/ البغوي (ت 516 هـ) مصنف و مدقق


{ أَفَرَأَيْتَ مَنِ ٱتَّخَذَ إِلَـٰهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ ٱللَّهُ عَلَىٰ عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَىٰ سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَىٰ بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ ٱللَّهِ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ } * { وَقَالُواْ مَا هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا ٱلدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَآ إِلاَّ ٱلدَّهْرُ وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ }

{ أَفَرَءَيْتَ مَنِ ٱتَّخَذَ إِلَـٰهَهُ هَوَاهُ } ، قال ابن عباس والحسن وقتادة: ذلك الكافر اتخذ دينه ما يهواه، فلا يهوَى شيئاً إلا ركبه لأنه لا يؤمن بالله ولا يخافه، ولا يحرم ما حرم الله. وقال آخرون: معناه اتخذ معبوده هواه فيعبد ما تهواه نفسه.

قال سعيد بن جبير: كانت العرب يعبدون الحجارة والذهب والفضة، فإذا وجدوا شيئاً أحسن من الأول رموه أو كسروه، وعبدوا الآخر.

قال الشعبي: إنما سُمي الهوى لأنه يَهوي بصاحبه في النار.

{ وَأَضَلَّهُ ٱللهُ عَلَىٰ علمٍ } ، منه بعاقبة أمره، وقيل على ما سبق في علمه أنه ضال قبل أن يخلقه، { وَخَتَمَ } ، طبع، { عَلَىٰ سَمعِهِ } فلم يسمع الهدى، { وَقَلْبِهِ } ، فلم يعقل الهدى، { وَجَعَلَ عَلَىٰ بَصَرِهِ غِشَـٰوَةً } ، قرأ حمزة والكسائي " غَشْوة " بفتح الغين وسكون الشين، والباقون " غشاوة " ظلمة فهو لا يبصر الهدى، { فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ ٱللهِ } ، أي فمن يهديه بعد أن أضله الله، { أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ }.

{ وَقَالُواْ } ، يعني منكري البعث، { مَا هِىَ إِلاَّ حَيَاتُنَا ٱلدُّنْيَا } ، أي ما الحياة إلاّ حياتنا الدنيا، { نَمُوتُ وَنَحْيَا } ، أي يموت الآباء ويحيا الأبناء، وقال الزجاج: يعني نموت ونحيا، فالواو للاجتماع، { وَمَا يُهْلِكُنَآ إِلاَّ ٱلدَّهْرُ } ، أي وما يفنينا إلاَّ مرُّ الزمان وطول العمر واختلاف الليل والنهار. { وَمَا لَهُم بِذَلِكَ } ، الذي قالوه، { مِنْ عِلْمٍ } ، أي لم يقولوه عن علم علموه، { إِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ }.

أخبرنا أبو علي حسان بن سعيد المنيعي، أخبرنا أبو طاهر محمد بن محمد محمش الزيادي، أخبرنا أبو بكر محمد بن الحسين القطان، حدثنا أبو الحسن أحمد بن يوسف السلمي، حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر عن همام بن منبه، حدثنا أبو هريرة رضي الله عنه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " قال الله تعالى: لا يقل ابن آدم يا خيبة الدهر، فإني أنا الدهر، أرسل الليل والنهار، فإذا شئت قبضتهما ". أخبرنا أبو سعيد عبد الله بن أحمد الطاهري، حدثنا جدي عبد الصمد بن عبد الرحمن البزاز، أخبرنا محمد بن زكريا العذافري، أخبرنا إسحاق بن إبراهيم الديري، حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن أيوب عن ابن سيرين، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا يسب أحدكم الدهر فإن الله هو الدهرُ، ولا يقولن للعنب الكرم، فإن الكرم هو الرجل المسلم ". ومعنى الحديث: أن العرب كان من شأنهم ذم الدهر، وسبُّه عند النوازل، لأنهم كانوا ينسبون إليه ما يصيبهم من المصائب والمكاره، فيقولون: أصابتهم قوارع الدهر، وأبادهم الدهر. كما أخبر الله تعالى عنهم: { وَمَا يُهْلِكُنَآ إِلاَّ ٱلدَّهْرَُ } فإذا أضافوا إلى الدهر ما نالهم من الشدائد سبو فاعلها، فكان مرجع سبهم إلى الله عزّ وجلّ، إذْ هو الفاعل في الحقيقة للأمور التي يضيفونها إلى الدهر، فنُهوا عن سبّ الدهر.