Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير معالم التنزيل/ البغوي (ت 516 هـ) مصنف و مدقق


{ وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ ٱقْتُلُوۤاْ أَنْفُسَكُمْ أَوِ ٱخْرُجُواْ مِن دِيَارِكُمْ مَّا فَعَلُوهُ إِلاَّ قَلِيلٌ مِّنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُواْ مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً } * { وَإِذاً لأَتَيْنَٰهُم مِّن لَّدُنَّـآ أَجْراً عَظِيماً } * { وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطاً مُّسْتَقِيماً } * { وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ فَأُوْلَـٰئِكَ مَعَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ ٱلنَّبِيِّينَ وَٱلصِّدِّيقِينَ وَٱلشُّهَدَآءِ وَٱلصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَـٰئِكَ رَفِيقاً }

قوله تعالى: { وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا } أي: فرضنا وأوجبنا، { عَلَيْهِمْ أَنِ ٱقْتُلُوۤاْ أَنفُسَكُمْ } ، كما أمرنا بني إسرائيل { أَوِ ٱخْرُجُواْ مِن دِيَـٰرِكُمْ } ، كما أمرنا بني إسرائيل بالخروج من مصر، { مَّا فَعَلُوهُ } ، معناه: أنّا ما كتبنا عليهم إلاَّ طاعة الرسول والرضَى بحكمه، ولو كتبْنَا عليهم القتلَ والخروجَ عن الدُّور ما كان يفعله، { إِلاَّ قَلِيلٌ مِّنْهُمْ } ، نزلت في ثابت بن قيس وهو من القليل الذي استثنى الله.

قال الحسن ومقاتل لما نزلت هذه الآية قال عمر وعمار بن ياسر وعبد الله بن مسعود وناس من أصحاب النبي صلّى الله عليه وسلم وهم القليل، والله لو أمرنا لفعلنا والحمد لله الذي عافانا، فبلغ ذلك النبي صلّى الله عليه وسلم فقال: " إنّ من أُمتي لرجالاً الإِيمانُ في قلوبهم أثبت من الجبال الرواسي ". قرأ ابن عامر وأهل الشام { إِلاَّ قَلِيلاً } بالنصب على الاستثناء، وكذلك هو في مصحف أهل الشام، وقيل: فيه إضمار، تقديره: إلاَّ أن يكون قليلاً منهم، وقرأ الآخرون قليل بالرفع على ضمير الفاعل في قوله { فَعَلُوهُ } تقديره: إلا نفر قليل فعلوه، { وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُواْ مَا يُوعَظُونَ بِهِ } ، من طاعة الرسول والرضى بحكمه، { لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً } ، تحقيقاً وتصديقاً لإِيمانهم.

{ وَإِذاً لآتَيْنَاهُمْ مِّن لَّدُنَّـآ أَجْراً عَظِيماً } ، ثواباً وَافِراً.

{ وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطاً مُّسْتَقِيماً } ، أي: إلى الصراط المستقيم.

قوله تعالى: { وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ فَأُوْلَـٰئِكَ مَعَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ ٱلنَّبِيِّينَ } الآية.

نزلتْ في ثوبان مولى رسول الله صلّى الله عليه وسلم وكان شديد الحب لرسول الله صلّى الله عليه وسلم قليل الصبر عنه، فأتاه ذات يوم وقد تغير لونه يعرف الحزن في وجهه، فقال له رسول الله صلّى الله عليه وسلم: «ما غيّر لونك»؟ فقال: يا رسول الله ما بي مرض ولا وجع غير أني إن لم أرَكَ اسْتَوْحَشْتُ وحشةً شديدة حتى ألقاك، ثم ذكرتُ الآخرة فأخاف أن لا أراك لأنّك تُرفع مع النبيين، وأنّي إن دخلت الجنة كنتُ في منزلة أدنى من منزلتك، وإن لم أدخل الجنة لا أراك أبداً، فنزلت هذه الآية.

وقال قتادة: قال بعض أصحاب النبي صلّى الله عليه وسلم: كيف يكون الحال في الجنة وأنتَ في الدرجات العُلَى ونحن أسفل منك؟ فكيف نراك؟ فأنزل الله تعالى هذه الآية. { وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ } في أداء الفرائض، { وَٱلرَّسُولِ } في السنن { فَأُوْلَـٰئِكَ مَعَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ ٱلنَّبِيِّينَ } أي لا تفوتهم رؤية الأنبياء ومجالستهم لا أنهم يرفعون إلى درجة الأنبياء، { وَٱلصِّدِّيقِينَ } ، وهم أفاضل أصحاب النبي صلّى الله عليه وسلم، والصدّيق المبالغ في الصدق، { وَٱلشُّهَدَآءِ } ، قيل: هم الذين استشهدوا في يوم أُحد، وقيل: الذين استشهدوا في سبيل الله، وقال عكرمة: النبيون ههنا: محمد صلّى الله عليه وسلم، والصديقون أبو بكر، والشهداء عمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم، { وَٱلصَّـٰلِحِينَ }: سائر الصحابة رضي الله عنهم، { وَحَسُنَ أُولَـٰئِكَ رَفِيقاً } ، يعني: رفقاء في الجنة، والعرب تضع الواحد موضع الجمع، كقوله تعالى: { ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلاً } [غافر: 67] أي: أطفالاً (ويُولّون الدُّبر) أي: الأدبار.

السابقالتالي
2