Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير معالم التنزيل/ البغوي (ت 516 هـ) مصنف و مدقق


{ يٰأَيُّهَا ٱلرُّسُلُ كُلُواْ مِنَ ٱلطَّيِّبَاتِ وَٱعْمَلُواْ صَالِحاً إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ } * { وَإِنَّ هَـٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَاْ رَبُّكُمْ فَٱتَّقُونِ } * { فَتَقَطَّعُوۤاْ أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُراً كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ } * { فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّىٰ حِينٍ } * { أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِن مَّالٍ وَبَنِينَ }

قوله عزّ وجلّ: { يَٰأَيُّهَا ٱلرُّسُلُ } ، قال الحسن ومجاهد وقتادة والسدي والكلبي وجماعة: أراد به محمداً صلى الله عليه وسلم وحده على مذهب العرب في مخاطبة الواحد بلفظ الجماعة. وقال بعضهم: أراد به عيسى. وقيل: أراد به جميع الرسل عليهم السلام، { كُلُواْ مِنَ ٱلطَّيِّبَـٰتِ } ، أي الحلالات، { وَٱعْمَلُواْ صَـٰلِحاً } ، الصلاح هو الاستقامة على ما توجيه الشريعة، { إِنِّى بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ }.

{ وَإِنَّ هَـٰذِهِ } قرأ أهل الكوفة: " وإن " بكسر الألف على الابتداء، وقرأ الباقون بفتح الألف، وخفف ابن عامر النون وجعل " إن " صلة، مجازه: وهذه { أُمَّتُكُمْ } ، وقرأ الباقون بتشديد النون على معنى وبأن هذا، تقديره: بأن هذه أمتكم، أي ملتكم وشريعتكم التي أنتم عليها، { أُمَّةً وَٰحِدَةً } ، أي ملة واحدة وهي الإِسلام، { وَأَنَاْ رَبُّكُمْ فَٱتَّقُونِ } ، أي: اتقوني لهذا.

وقيل: معناه أمرتكم بما أمرت به المرسلين من قبلكم، فأمركم واحد، { وَأَنَاْ رَبُّكُمْ فَٱتَّقُونِ } فاحذورن. وقيل: هو نصب بإضمار فعل، أي: اعلموا أن هذه أمتكم، أي ملتكم، أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون.

{ فَتَقَطَّعُوۤاْ أَمْرَهُم } دينهم، { بَيْنَهُمْ } ، أي: تفرقوا فصاروا فِرَقاً، يهوداً ونصارى ومجوساً، { زُبُراً } ، أي: فرقاً وقطعاً مختلفة، واحدها زبور وهو الفرقة والطائفة، ومثله الزبرة وجمعها زُبُر، ومنه:زُبَرَ ٱلْحَدِيدِ } [الكهف: 96]. أي: صاروا فرقاً كزبر الحديد. وقرأ بعض أهل الشام " زبراً " بفتح الباء، قال قتادة ومجاهد " زبراً " أي: كتباً، يعني دان كل فريق بكتاب غير الكتاب الذي دان به الآخرون. وقيل: جعلوا كتبهم قطعاً مختلفة، آمنوا بالبعض، وكفروا بالبعض، وحرفوا البعض، { كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ } ، بما عندهم من الدين، { فَرِحُونَ } ، معجبون ومسرورون.

{ فَذَرْهُمْ فِى غَمْرَتِهِمْ } ، قال ابن عباس: في كفرهم وضلالتهم، وقيل: عمايتهم، وقيل: غفلتهم { حَتَّىٰ حِينٍ } ، إلى أن يموتوا.

{ أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُم بِهِ مِن مَّالٍ وَبَنِين } ، ما نعطيهم ونجعله مدداً لهم من المال والبنين في الدنيا.