Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير معالم التنزيل/ البغوي (ت 516 هـ) مصنف و مدقق


{ ثَانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ لَهُ فِي ٱلدُّنْيَا خِزْيٌ وَنُذِيقُهُ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ عَذَابَ ٱلْحَرِيقِ } * { ذٰلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ وَأَنَّ ٱللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّٰمٍ لِّلعَبِيدِ } * { وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَعْبُدُ ٱللَّهَ عَلَىٰ حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ ٱطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ ٱنْقَلَبَ عَلَىٰ وَجْهِهِ خَسِرَ ٱلدُّنْيَا وَٱلأَخِرَةَ ذٰلِكَ هُوَ ٱلْخُسْرَانُ ٱلْمُبِينُ }

{ ثَانِىَ عِطْفِهِ } أي: متبختراً لتكبُّره. وقال مجاهد، وقتادة: لاوِي عنقه. قال عطية، وابن زيد: معرضاً عمّا يدعىٰ إليه تكبراً. قال ابن جريج: يعرض عن الحق تكبراً. والعِطفْ: الجانب، وعِطْفا الرجل: جانباه عن يمين وشمال وهو الموضع الذي يعطفه الإِنسان أي يلويه ويميله عند الإِعراض عن الشيء، نظيره قوله تعالى:وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِ ءَايَـٰتُنَا وَلَّىٰ مُسْتَكْبِراً } [لقمان: 7]، وقال تعالى:وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ ٱللَّهِ لَوَّوْاْ رُءُوسَهُمْ } [المنافقون: 5]. { لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ } ، عن دين الله، { لَهُ فِى ٱلدُّنْيَا خِزْىٌ } ، عذاب وهوان، وهو القتل ببدر، فقتل النضر بن الحارث وعقبة بن أبي مُعيط يوم بدر صبراً. { وَنُذِيقُهُ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ عَذَابَ ٱلْحَرِيقِ }.

ويقال له: { ذَٰلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ وَأَنَّ ٱللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّـٰمٍ لِّلْعَبِيدِ } ، فيعذبهم بغير ذنب وهو جل ذكره على أيّ وجه شاء تصرف في عبده، فحكمه عدل وهو غير ظالم.

قوله عز وجل: { وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَعْبُدُ ٱللَّهَ عَلَىٰ حَرْفٍ } ، الآية نزلت في قوم من الأعراب كانوا يقدمون المدينة مهاجرين من باديتهم فكان أحدهم إذا قدم المدينة فصحَّ بها جسمه ونُتِجَتْ بها فرسه مهراً حسناً وولدت امرأته غلاماً وكثر مالهُ، قال: هذا دينٌ حسنٌ وقد أصبت فيه خيراً واطمأَن إليه، وإن أصابه مرض وولدت امرأته جارية وأجهضت رماكه وقلَّ مالُه، قال: ما أصبت منذ دخلت في هذا الدين إلا شراً فينقلب عن دينه، وذلك الفتنة فأنزل الله عزّ وجلّ:

{ وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَعْبُدُ ٱللَّهَ عَلَىٰ حَرْفٍ } ، أكثر المفسرين قالوا: على شك وأصله من حَرْف الشيء وهو طرفه، نحو حرف الجبل والحائط الذي كالقائم عليه غير مستقر، فقيل للشاكِّ في الدين إنه يعبد الله على حرف لأنه على طرف وجانب من الدين لم يدخل فيه على الثبات والتمكن وأصله كالقائم على حرف الجبل مضطرب غير مستقر، يعرض أن يقع في أحد جانبي الطرف لضعف قيامه، ولو عبدوا الله في الشكر على السراء والصبر على الضراء لم يكونوا على حرف، قال الحسن: هو المنافق يعبده بلسانه دون قلبه { فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ } ، صحةٌ في جسمه، وسعةٌ في معيشته، { ٱطْمَأَنَّ بِهِ } ، أي: رضي وسكن إليه، { وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ } ، بلاء في جسده، وضيق في معيشته، { ٱنقَلَبَ عَلَىٰ وَجْهِهِ } ، ارتد ورجع على عقبه إلى الوجه الذي كان عليه من الكفر، { خَسِرَ ٱلدُّنْيَا } ، يعني هذا الشاك خسر الدنيا بفوات ما كان يؤمل، { وَٱلأَخِرَةَ } ، بذهاب الدين والخلود في النار. قرأ يعقوب { خاسر } بالألف { وَٱلأَخِرَةَ } جَرٌّ. { ذَٰلِكَ هُوَ ٱلْخُسْرَانُ ٱلْمُبِينُ } ، الظاهر.