Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير رموز الكنوز في تفسير الكتاب العزيز/ عز الدين عبد الرازق الرسعني الحنبلي (ت 661هـ) مصنف و مدقق مرحلة اولى


{ أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُواْ مَا بِصَاحِبِهِمْ مِّن جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلاَّ نَذِيرٌ مُّبِينٌ } * { أَوَلَمْ يَنْظُرُواْ فِي مَلَكُوتِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا خَلَقَ ٱللَّهُ مِن شَيْءٍ وَأَنْ عَسَىۤ أَن يَكُونَ قَدِ ٱقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ } * { مَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَلاَ هَادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ }

قوله تعالى: { أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُواْ مَا بِصَاحِبِهِمْ } قال الحسن البصري رحمه الله: قام النبي ليلاً على الصفا يدعو قريشاً فخذاً فخذاً، فيقول: يا بني فلان! يا بني فلان! يحذرهم بأس الله وعقابه، فقال قائلهم: إن صاحبهم هذا لمجنون، بات يُصوِّتُ حتى الصباح، فأنزل الله تعالى هذه الآية يحضهم على التفكر في أمر النبي والنظر فيما دعاهم إليه.

والوقف على قوله: " أو لم يتفكروا " وقف تام.

ثم نفى عن رسوله ما اقترفوه، فقال: { مَا بِصَاحِبِهِمْ مِّن جِنَّةٍ } أي: جنون، { إِنْ هُوَ إِلاَّ نَذِيرٌ } للحق، { مُّبِينٌ } للباطل من الحق.

فإن قيل: لم عدل عن اسمه العَلَم، وهو محمد، أو صفته العالية، وهي الرسول، ولم يضيفه إلى نفسه، فلم يقل: ما بمحمد، ما برسولي من جِنَّة، وإنما أضافه إليهم باسم الصحبة فقال: " ما بصاحبهم "؟

قلت: ليُبقي عليهم قبيح ما أقدموا عليه من نسبتهم الجنون إلى من صاحبوه دهراً طويلاً ولازموه عمراً مديداً، وعلموا ما طُبع عليه من الأخلاق الكريمة والأوصاف الجميلة، والفطرة السليمة؛ [وخلوّه] من النقائص الظاهرة والباطنة، فأفاد قوله: " ما بصاحبهم " ذمّهم على كذبهم وظلمهم بنسبتهم الجنون إلى من صحبوه وعرفوا راجح عقله، وتذكيرهم باسم الصحبة ما يجب للصاحب على صاحبه من المعاضدة والمناصرة، وترقيقهم عليه، وتهييج طباعهم على الإحسان إليه، وهذا من الرموز التي لا يهتدي لها إلا غوير غوّاص على معاني كتاب الله تعالى، بحّاث عن غوامضه وأسراره.

قوله تعالى: { أَوَلَمْ يَنْظُرُواْ فِي مَلَكُوتِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ } حثّهم الله تعالى على النظر في ملكوت السموات وما فيها من الآيات الباهرة والأنجم الزاهرة، وملكوت الأرض وما فيها من عجائب المخلوقات، { وَمَا خَلَقَ ٱللَّهُ } أي: وفيما خلق الله { مِن شَيْءٍ } قال ابن عباس: من جليل وصغير.

والمعنى: أو لم ينظروا فيستدلوا بهذه المصنوعات العجيبة على عظمة صانعها ومخترعها، وحكمة مبتدعها ومفترعها.

{ وَأَنْ عَسَىۤ } خفيفة من [الثقيلة]، بإضمار الشأن، والتقدير: أو لم ينظروا في ملكوت السموات والأرض، وفي أن الحديث والشأن { عَسَىۤ أَن يَكُونَ قَدِ ٱقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ } أي: لعل آجالهم قريبة فيستدركوا الفارط بالتوبة والإيمان، خوفاً أن يهلكوا على الكفر، فيصيروا إلى النار، { فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ } أي: بعد القرآن وحججه البالغة، ومواعظه الشافية، واشتماله على علم ما كان ويكون { يُؤْمِنُونَ }.

ثم ذكر سبب توغلهم في مهالك الردى مع إثارة مسالك الهدى، فقال: { مَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَلاَ هَادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ } قرأ أبو عمرو وأهل الكوفة: " ويذرهم " بالياء، لكنه رفع الفعل على الاستئناف، وجزمه الكوفيون عطفاً على موضع الفاء، وقرأ الباقون: بالنون والرفع.

أخبرنا المؤيد بن محمد بن علي الطوسي في كتابه قال: أخبرنا عبدالجبار بن محمد بن أحمد الخواري، أخبرنا علي بن أحمد النيسابوري، أخبرنا محمد بن إبراهيم بن يحيى، أخبرنا محمد بن جعفر بن مطر، أخبرنا جعفر بن محمد الزيادي، حدثنا عبيدالله بن محمد بن عائشة، حدثنا حماد بن سلمة، عن خالد الحذّاء، عن عبد الأعلى بن عبد الأعلى، عن عبدالله بن الحارث قال:

السابقالتالي
2