Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير رموز الكنوز في تفسير الكتاب العزيز/ عز الدين عبد الرازق الرسعني الحنبلي (ت 661هـ) مصنف و مدقق مرحلة اولى


{ أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا خَلَقْنَا لَهُم مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَآ أَنْعاماً فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ } * { وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ } * { وَلَهُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَمَشَارِبُ أَفَلاَ يَشْكُرُونَ }

ثم دلّهم بما يشاهدون من آثار قدرته على وجوب وحدانيته فقال: { أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا خَلَقْنَا لَهُم مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَآ أَنْعاماً } أي: عملناه بغير واسطة ولا شِركة. وهذا معنى قول السدي.

قال الحسن: الأيدي: القوة، كما قال تعالى:وَٱلسَّمَآءَ بَنَيْنَٰهَا بِأَييْدٍ } [الذاريات: 47].

{ فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ } قادرون على التصرف فيها، لم نجعلها وحشية نافرة منهم.

{ وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ } يعني: الأنعام، ولولا تسخيره جَلَّت عظمته لامتنعت عن بني آدم كما امتنع ما هو أضعف منها من الحيوانات.

ولقد ذَلَّلَ الله تعالى أعظمها أجساماً، وأشدها قوة وأجراماً، حتى ضرب به المثل في الانقياد، قال صلى الله عليه وسلم: " المؤمن كالجمل الأنِف، إن [قيد] انقاد، وإن أنيخ استناخ ".

ولقد أحسن القائل:
يُصرِّفُه الصبيُّ بكل وجهٍ    ويحبسُه على الخسْفِ الجرير
وتضْربهُ الوليدةُ بالهَرَاوى    فلا غِيرٌ لديه ولا نكيرُ
ولهذا المعنى وهذا الإنعام أمر الله تعالى راكبه أن يشكر نعمته عليه ويسبحه إذا علا ذروته، فقال تعالى:وَتَقُولُواْ سُبْحَانَ ٱلَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَـٰذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ } [الزخرف: 13].

رأيت بخط الإمام [أبي] البقاء علي بن عقيل الحنبلي البغدادي رضي الله عنه في كتابه المعروف بالفنون، وهو كتاب عظيم، يدل على فخامة صاحبه وغزارة علمه وحكمته. قال لي الشيخ أبو البقاء اللغوي: سمعت أبا حكيم النهرواني يقول: وقفت على السِّفْر الرابع بعد الثلاثمائة من كتاب الفنون يقول: ركب يزيد بن نهشل بعيراً، فلما استوى عليه قال: اللهم إنك قلت:لِتَسْتَوُواْ عَلَىٰ ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُواْ نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا ٱسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُواْ سُبْحَانَ ٱلَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَـٰذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ } [الزخرف: 13]، اللهم إني أشهدك أني له مُقرن، فنفر البعير وتعلقت رجله والبعير يجمر به حتى مات.

[معنى]: " مُقرنين ": مُطيقين، فادعى الطاقة لرد منّة الله منه تعالى في نعمته فهلك.

قوله تعالى: { فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ } أي: ما يركب، يريد: الإبل.

وقرأ الحسن والأعمش: " رُكُوبُهُم " بضم الراء، أي: ذو ركوبهم.

{ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ * وَلَهُمْ فِيهَا مَنَافِعُ } من الأصواف والأوبار والأشعار والنسل، { وَمَشَارِبُ } من ألبانها، جمع مَشْرَب، وهو موضع الشرب أو المشروب.