Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير بحر العلوم/ السمرقندي (ت 375 هـ) مصنف و مدقق


{ وَمِمَّنْ خَلَقْنَآ أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِٱلْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ } * { وَٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَٰتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِّنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ } * { وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ } * { أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُواْ مَا بِصَاحِبِهِمْ مِّن جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلاَّ نَذِيرٌ مُّبِينٌ } * { أَوَلَمْ يَنْظُرُواْ فِي مَلَكُوتِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا خَلَقَ ٱللَّهُ مِن شَيْءٍ وَأَنْ عَسَىۤ أَن يَكُونَ قَدِ ٱقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ } * { مَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَلاَ هَادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ }

قوله تعالى: { وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِٱلْحَقِّ } يعني جماعة وهم أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - يهدون بالحق يعني يدعون إلى الحق ويأمرون بالحق { وَبِهِ يَعْدِلُونَ } يعني بالحق يعملون وذلك أنه لما نزل قوله تعالىوَمِن قَوْمِ مُوسَىٰ أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِٱلْحَقِّ } [الأعراف: 159] قال أناس من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يا رسول الله قد ذكر الله تعالى هؤلاء الرهط بالخير الجسيم من بني إسرائيل إن آمنوا بك وجعل لهم أجرين ولنا أجراً واحداً وقد صدقناك والرسل والكتب فنزل { وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ } يعني من أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - يهدون بالحق وبه يعدلون. قوله تعالى: { وَٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَـٰتِنَا } يعني بمحمد والقرآن { سَنَسْتَدْرِجُهُم } يعني سنأخذهم بالعذاب { مّنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ } يعني من حيث لا يشعرون وقال الكلبي: يعني نزين لهم فنهلكهم من حيث لا يعلمون. يقول سنأتيهم وهم المستهزءون فيقتل كل رجل منهم بغير قتلة صاحبه. وقال القتبي الاستدراج أن يذيقهم من بأسه قليلاً قليلاً، ويقال استدرج فلان فلاناً يعني يعرف ما عنده وأصل هذا من الدرجة لأن الراقي يرقى درجة درجة فاستعير من هذا كقوله تعالىوَٱلْمُرْسَلَـٰتِ عُرْفاً } [المرسلات: 1] يعني الملائكة يتابعون بعضهم بعضاً كعرف الفرس وكقوله تعالىوَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ } [التوبة: 67] أي: يمسكون عن العطية وقال السدي سنستدرجهم يعني كلما جددوا معصية جددنا لهم نعمة وأنسيناهم شكرها ثم نأخذهم من حيث لا يعلمون. فذلك الاستدراج ثم قال { وَأُمْلِي لَهُمْ } يعني: وأمهلهم { إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ } يعني: أن عقوبتي شديدة ويقال إن صنيعي محكم، ويقال إن أخذي شديد ثم قال تعالى { أَوَ لَمْ يَتَفَكَّرُواْ } يعني: أهل مكة فيما يأمرهم محمد - صلى الله عليه وسلم - أن يعبدوا خالقهم ورازقهم وكاشف الضر عنهم ولا يعبدوا من لا يقدر على شيء منه، أمثل هذا يكون مجنوناً ويقال معناه أولم يتفكروا في دلائل النبي - صلى الله عليه وسلم - ومعجزاته ليستدلوا بأنه نبي. وقد تم الكلام. ثم استأنف فقال { مَا بِصَاحِبِهِم مِّن جِنَّةٍ } ويقال هذا على وجه البناء ومعناه أولم يتفكروا ليعلموا ما بصحابهم من جنة يعني: جنوناً. ويقال إن النبي - صلى الله عليه وسلم - صعد ذات ليلة الصفا فدعا قريشاً إلى عبادة الله تعالى بأسمائهم فرداً فرداً فقال بعضهم إن صاحبكم لمجنون فوعظهم الله تعالى فقال أولم يتفكروا. يقول: أولم يجالسوه ويكلموه هل به من جنون { إِنْ هُوَ إِلاَّ نَذِيرٌ مُّبِينٌ } أي رسولاً بيناً وهذا كقوله تعالىقُلْ إِنَّمَآ أَعِظُكُمْ بِوَٰحِدَةٍ أَن تَقُومُواْ لِلَّهِ مَثْنَىٰ وَفُرَادَىٰ ثُمَّ تَتَفَكَّرُواْ مَا بِصَـٰحِبِكُمْ مِّن جِنَّةٍ } [سبإ: 46]. ووعظهم ليعتبروا في صنعه فيوحدوه فقال { أَوَلَمْ يَنظُرُواْ فِي مَلَكُوتِ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ } أي: في خلق السماوات والأرض { وَمَا خَلَقَ ٱللَّهُ مِن شَيْءٍ } في السماء من الشمس والقمر والنجوم وما خلق الله في الأرض من الجبال والبحار وغير ذلك فيعتبروا ويؤمنوا بأن الذي خلق الذي ترون، هو رَبّ واحد لا شريك له { وَأَنْ عَسَىٰ } يعني وينظروا في أن عسى { أَن يَكُونَ قَدِ ٱقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ } يعني قد دنا هلاكهم { فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ } يعني إن لم يؤمنوا بالقرآن فبأي حديث يؤمنوا بعد القرآن لأن هذا آخر الكتب نزولاً وليس بعده كتاب ينزل ثم قال تعالى: { مَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَلاَ هَادِيَ لَهُ } أي: من يخذله الله عن دين الإسلام فلا هادي له إلى الهدى { وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيَـٰنِهِمْ يَعْمَهُونَ } أي: يتركهم في ضلالتهم يترددون.

السابقالتالي
2