Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير بحر العلوم/ السمرقندي (ت 375 هـ) مصنف و مدقق


{ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إِلَىٰ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ وَإِلَى ٱلرَّسُولِ قَالُواْ حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَآ أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ } * { يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُمْ مَّن ضَلَّ إِذَا ٱهْتَدَيْتُمْ إِلَى ٱللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ }

{ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إِلَىٰ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ وَإِلَى ٱلرَّسُولِ } من تحليل ما حرمتم على أنفسكم، وما بيّن رسوله. ويقال: تعالوا إلى كتاب الله وإلى سنة رسوله، { قَالُواْ: حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ ءَابَآءَنَا } من الدين والسنة. قال الله تعالى: { أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ }. يعني أيتبعون آباءهم، وإن كان آباؤهم جهالاً، فنهاهم الله عن التقليد، وأمرهم بالتمسك بالحق وبالحجة. وقوله تعالى: { يا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ } معناه الزموا أنفسكم كما تقول: عليك زيداً، معناه: إلزم زيداً، معناه: إلزموا أمر أنفسكم لا يؤاخذكم بذنوب غيركم، { لاَ يَضُرُّكُمْ } وأصل اللغة: لا يضرركم فأدغم أحد الراءين في الثاني وضمت الثانية لالتقاء الساكنين وهذا جواب الشرط وموضعه الجزم. وروي عن أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - أنه سئل عن هذه الآية فقال: إذا رأيتم شُحًّا مطاعاً وهوىً متبعاً ودنيا مؤثرة وإعجاب كل ذي رأي برأيه، فعليكم بخويصة أنفسكم. وروى عمر بن جارية اللخمي عن أبي أمية قال: سألت أبا ثعلبة الخشني عن هذه الآية فقال: لقد سألت عنها خبيراً، سألت عنها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: " يا أبا ثعلبة ائتمروا بالمعروف وتناهوا عن المنكر فإذا رأيت دنيا مؤثرة وشحاً مطاعاً وإعجاب كل ذي رأي برأيِه فعليك نفسك فإن من بعدكم أيام الصبر المتمسك يومئذ بمثل الذي أنتم عليه له كأجر خمسين عاملاً. قالوا: يا رسول الله كأجر خمسين عاملاً منهم، قال: لا، بل كأجر خمسين عاملاً منكم " وروي عن أبي بكر الصديق أنه قال: (يا أيها الناس إنكم تتلون هذه الآية على غير تأويلها إنه كان رجال طعموا بالإسلام وذاقوا حلاوته، وكانت لهم قرابة من المشركين فأرادوا أن يذيقوهم حلاوة الإسلام وأن يدخلوهم في الإسلام فنزل { عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُمْ مَّن ضَلَّ إِذَا ٱهْتَدَيْتُمْ } والذي نفس أبي بكر بيده لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليعمنكم الله بعقاب من عنده. وروي عن أبي العالية أنه قال: كانوا عند عبد الله بن مسعود فوقع بين رجلين ما يكون بين الناس حتى قام كل واحد منهما إلى صاحبه فقال بعضهم: ألا أقوم فآمرهما بالمعروف فقال بعضهم: عليك نفسك إن الله تعالى يقول: { عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُمْ مَّن ضَلَّ } يقول: لا يضركم ضلالة من ضل { إِذَا ٱهْتَدَيْتُمْ } فقال ابن مسعود: مه لم يجىء تأويل هذه الآية بعد فما دامت قلوبكم واحدة وأهواؤكم واحدة، ولم تلبسوا شيعاً فمروا بالمعروف وانهوا عن المنكر فإذا اختلفت القلوب والأهواء فعند ذلك جاء تأويلها. وقوله تعالى: { لاَ يَضُرُّكُمْ مَّن ضَلَّ } يقول: لا يضركم ضلالة من ضل { إِذَا ٱهْتَدَيْتُمْ } ، إذا ثبتم على الحق { إِلَى ٱللَّهِ } تعالى { مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً } يوم القيامة { فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ } في الدنيا. وقال في رواية الكلبي نزلت في «منذر بن عمرو» بعثه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى أهل هجر ليدعوهم إلى الإسلام فأبوا الإسلام فوضع عليهم الجزية، فقال: { لاَ يَضُرُّكُمْ مَّن ضَلَّ }. من أهل هجر وأقر بالجزية { إِذَا ٱهْتَدَيْتُمْ } إلى الله يعني آمنتم بالله.