Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير بحر العلوم/ السمرقندي (ت 375 هـ) مصنف و مدقق


{ فَمَا لَكُمْ فِي ٱلْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَٱللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوۤاْ أَتُرِيدُونَ أَن تَهْدُواْ مَنْ أَضَلَّ ٱللَّهُ وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً } * { وَدُّواْ لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُواْ فَتَكُونُونَ سَوَآءً فَلاَ تَتَّخِذُواْ مِنْهُمْ أَوْلِيَآءَ حَتَّىٰ يُهَاجِرُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْاْ فَخُذُوهُمْ وَٱقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَلاَ تَتَّخِذُواْ مِنْهُمْ وَلِيّاً وَلاَ نَصِيراً } * { إِلاَّ ٱلَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَىٰ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِّيثَٰقٌ أَوْ جَآءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَن يُقَٰتِلُوكُمْ أَوْ يُقَٰتِلُواْ قَوْمَهُمْ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَٰتَلُوكُمْ فَإِنِ ٱعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَٰتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْاْ إِلَيْكُمُ ٱلسَّلَمَ فَمَا جَعَلَ ٱللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلاً } * { سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَن يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُواْ قَوْمَهُمْ كُلَّ مَا رُدُّوۤاْ إِلَى ٱلْفِتْنِةِ أُرْكِسُواْ فِيِهَا فَإِن لَّمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوۤاْ إِلَيْكُمُ ٱلسَّلَمَ وَيَكُفُّوۤاْ أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَٱقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأُوْلَـٰئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَاناً مُّبِيناً }

{ فَمَا لَكُمْ فِي ٱلْمُنَـٰفِقِينَ فِئَتَيْنِ } نزلت في تسعة نفر ارتدوا عن الإسلام، فخرجوا من المدينة، وانطلقوا إلى مكة، ثم إنهم خرجوا تجاراً إلى الشام، فقال بعض المسلمين: نخرج إلى هؤلاء ونقتلهم ونأخذ أموالهم، وقال بعضهم: هم مسلمون فلا يجوز أخذ أموالهم، ويقال: كان قوم من المنافقين بمكة، خرجوا إلى الشام، فاختلف المسلمون في أمرهم، فبين الله تعالى للمسلمين نفاقهم فقال تعالى: { فَمَا لَكُمْ فِي ٱلْمُنَـٰفِقِينَ } يعني، صرتم في المنافقين فئتين، أي فريقين تختصمون في أمرهم { وَٱللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُواْ } أي أذلهم ويقال: أهلكهم، ويقال: أركسهم أي ردهم إلى كفرهم، ويقال: ركست الشيء وأركسته إذا أرددته إلى الحال الأول. ثم قال تعالى: { أَتُرِيدُونَ أَن تَهْدُواْ مَنْ أَضَلَّ ٱللَّهُ } [يعني أترشدون إلى الهدى من أضله الله] { وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ } عن الهدى { فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً } يعني، ديناً، ويقال: مخرجاً. ثم قال تعالى: { وَدُّواْ لَوْ تَكْفُرُونَ } أي ترجعون عن هجرتكم { كَمَا كَفَرُواْ } أي كما رجعوا { فَتَكُونُونَ } أنتم وهم على الكفر { سَوَآءً } ومن هذا يقال في المثل: إن من أحرق يوماً كدسه، يتمنى حرق أكداس الأمم، فكذلك الكفار، كانوا يتمنون أن يكون الناس كلهم كفاراً، حتى يحترقوا معهم. قال الله تعالى: { فَلاَ تَتَّخِذُواْ مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ } في الدين والنصرة { حَتَّىٰ يُهَاجِرُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ } حتى يتوبوا، ويرجعوا إلى دار الهجرة بالمدينة { فَإِن تَوَلَّوْاْ } يعني أبوا الهجرة { فَخُذُوهُمْ } يعني فأسروهم { وَٱقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ } يعني أين وجدتموهم من الأرض. { وَلاَ تَتَّخِذُواْ مِنْهُمْ وَلِيّاً وَلاَ نَصِيراً } في العون. ثم استثنى الذين كان بينهم وبين المسلمين عهد فقال: { إِلاَّ ٱلَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَىٰ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مّيثَـٰقٌ } وهم خزاعة، وبنو مدلج، وبنو خزيمة، وهلال بن عويمر الأسلمي وأصحابه، صالحهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على أن كل من أتاهم من المسلمين، فهو آمن ومن جاء منهم إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فهو آمن، وفي هذه الآية إثبات الموادعة بين أهل الحرب وأهل الإسلام إذا كانت في الموادعة مصلحة للمسلمين. ثم قال تعالى: { أَوْ جَاءوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ } أي ضاقت قلوبهم { أَن يُقَـٰتِلُوكُمْ } من قبل العهد { أَوْ يُقَـٰتِلُواْ قَوْمَهُمْ } معكم من قبل القرابة. ثم قال تعالى: { وَلَوْ شَاءَ ٱللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَـٰتَلُوكُمْ } ذكر منته على المؤمنين أنه يدفع عنهم البلاء، ومنعهم عن قتالهم، ثم قال تعالى: { فَإِنِ ٱعْتَزَلُوكُمْ } في القتال { فَلَمْ يُقَـٰتِلُوكُمْ، وَأَلْقَوْاْ إِلَيْكُمُ ٱلسَّلَمَ } أي الصلح، معناه أنهم لو ثبتوا على صلحهم، فلا تقاتلوهم، فذلك قوله: { فَمَا جَعَلَ ٱللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلاً } أي حجة وسلطاناً في قتالهم، ثم قال عز وجل: { سَتَجِدُونَ ءَاخَرِينَ يُرِيدُونَ أَن يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُواْ قَوْمَهُمْ } وهم أسد وغطفان، كانوا إذا أتوا إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - يقولون: آمنا بك، وإذا رجعوا إلى قومهم قالوا: آمنا بالعقرب والخنفساء، يقول: إنهم لم يريدوا بذلك تصديق النبي - صلى الله عليه وسلم - وإنما أرادوا به الاستهزاء.

السابقالتالي
2