Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير بحر العلوم/ السمرقندي (ت 375 هـ) مصنف و مدقق


{ فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱلَّذِينَ يَشْرُونَ ٱلْحَيَاةَ ٱلدُّنْيَا بِٱلآخِرَةِ وَمَن يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَيُقْتَلْ أَو يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً } * { وَمَا لَكُمْ لاَ تُقَٰتِلُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱلْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ ٱلرِّجَالِ وَٱلنِّسَآءِ وَٱلْوِلْدَٰنِ ٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا مِنْ هَـٰذِهِ ٱلْقَرْيَةِ ٱلظَّالِمِ أَهْلُهَا وَٱجْعَلْ لَّنَا مِن لَّدُنْكَ وَلِيّاً وَٱجْعَلْ لَّنَا مِن لَّدُنْكَ نَصِيراً } * { ٱلَّذِينَ آمَنُواْ يُقَٰتِلُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يُقَٰتِلُونَ فِي سَبِيلِ ٱلطَّٰغُوتِ فَقَٰتِلُوۤاْ أَوْلِيَاءَ ٱلشَّيْطَٰنِ إِنَّ كَيْدَ ٱلشَّيْطَٰنِ كَانَ ضَعِيفاً }

فقال عز وجل: { فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ } يعني فليقاتل الذين معكم في طاعة الله { ٱلَّذِينَ يَشْرُونَ ٱلْحَيَـٰوةَ ٱلدُّنْيَا } أي يختارون الدنيا على الآخرة. ويقال: هذا الخطاب للمؤمنين فكأنه يقول: فليقاتل في سبيل الله الكفار الذين يشرون الحياة الدنيا { بِٱلآخِرَةِ }. ثم قال تعالى: { وَمَن يُقَـٰتِلْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ } أي في طاعة الله { فَيُقْتَلْ } يقول فيستشهد { أَو يَغْلِبْ } أي يقتل العدو ويهزمهم { فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً } أي ثواباً عظيماً في الجنة، فجعل ثوابهما واحداً، يعني إذ غلب أو غلب، يستوجب الثواب في الوجهين جميعاً، وقال الضحاك: في قوله: { وَمَن يُقَـٰتِلْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ } قال: ومن قاتل في سبيل الله فواق ناقة غفرت له ذنوبه، ووجبت له الجنة. (والفواق بالرفع ما بين الحلبتين، والفواق: بالنصب، الراحة). وذلك قوله: { فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً } ، أي ثواباً عظيماً في الجنة، ثم حث المؤمنين على القتال فقال تعالى: { وَمَا لَكُمْ لاَ تُقَـٰتِلُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱلْمُسْتَضْعَفِينَ } أي وعن المستضعفين { مِنَ ٱلرّجَالِ وَٱلنِّسَاء وَٱلْوِلْدٰنِ } ويقال: وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله، وسبيل المستضعفين. ويقال: { وَمَا لَكُمْ لاَ تُقَـٰتِلُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ } وفي خلاص المستضعفين، وقال الضحاك: وذلك أن كفار قريش أسروا سبعة نفر من المسلمين وكانوا يعذبونهم، فأمر الله تعالى بقتال الكفار ليستنقذوا الأسرى من أيديهم { ٱلَّذِينَ يَقُولُونَ } يعني المستضعفين بمكة يدعون الله تعالى ويقولون { رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَـٰذِهِ ٱلْقَرْيَةِ ٱلظَّـٰلِمِ أَهْلُهَا } بالشرك { وَٱجْعَلْ لَّنَا مِن لَّدُنْكَ وَلِيّاً } أي، من عندك حافظاً يحفظنا { وَٱجْعَلْ لَّنَا مِن لَّدُنْكَ نَصِيراً } أي مانعاً يمنعنا منهم، قال الكلبي: لما فتح رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مكة، جعل الله لهم النبي - صلى الله عليه وسلم - ولياً، وعتاب بن أسيد، نصيراً، وكان عتاب بن أسيد، ينصف الضعيف من الشديد، فنصرهم الله به، وأعانهم، وكانوا أعز من بمكة من الظلمة قبل ذلك. (فصار المسلمون الضعفاء أعزاء، كما كان الكفار قبل ذلك). ثم مدح الله المؤمنين بقتالهم لوجه الله تعالى، فقال تعالى: { ٱلَّذِينَ آمَنُواْ يُقَـٰتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ } أي في طاعة الله، وإعزاز الدين وذم المنافقين، وبين أن قتالهم للشيطان، فقال تعالى: { وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يُقَـٰتِلُونَ فِي سَبِيلِ ٱلطَّـٰغُوتِ } أي في طاعة الشيطان، ثم حرض المؤمنين على القتال، فقال { فَقَـٰتِلُواْ أَوْلِيَاءَ ٱلشَّيْطَـٰنِ } أي جند الشيطان، وهم المشركون { إِنَّ كَيْدَ ٱلشَّيْطَـٰنِ } أي مكر الشيطان { كَانَ ضَعِيفاً } أي واهياً. ويقال: أراد به يوم بدر، حيث قال لهم الشيطان، أي الكفار لا غالب لكم اليوم من الناس، وإني جار لكم، فلما تراءت الفئتان نكص على عقبيه. ويقال: { إِنَّ كَيْدَ ٱلشَّيْطَـٰنِ كَانَ ضَعِيفاً } أي مكره ضعيف لا يدوم وهذا كما يقال: للحق دولة وللباطل جولة [أي ما له ري].