Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير بحر العلوم/ السمرقندي (ت 375 هـ) مصنف و مدقق


{ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ فَأُوْلَـٰئِكَ مَعَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ ٱلنَّبِيِّينَ وَٱلصِّدِّيقِينَ وَٱلشُّهَدَآءِ وَٱلصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَـٰئِكَ رَفِيقاً } * { ذٰلِكَ ٱلْفَضْلُ مِنَ ٱللَّهِ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ عَلِيماً } * { يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ خُذُواْ حِذْرَكُمْ فَٱنفِرُواْ ثُبَاتٍ أَوِ ٱنْفِرُواْ جَمِيعاً } * { وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَن لَّيُبَطِّئَنَّ فَإِنْ أَصَٰبَتْكُمْ مُّصِيبَةٌ قَالَ قَدْ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَّعَهُمْ شَهِيداً } * { وَلَئِنْ أَصَٰبَكُمْ فَضْلٌ مِنَ الله لَيَقُولَنَّ كَأَن لَّمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يٰلَيتَنِي كُنتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزاً عَظِيماً }

قوله تعالى: { وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ } قال في رواية الكلبي: " نزلت الآية في شأن ثوبان، مولى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وكان شديد الحب له، وكان قليل الصبر عنه، حتى تغير لونه، ونحل جسمه فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما غير لونك؟ فقال: ما بي من مرض، ولكني إذا لم أرك استوحشت وحشة عظيمة، حتى ألقاك، وأذكر الآخرة وأخاف أن لا أراك هناك " ، فنزل قوله تعالى: { وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ } { فَأُوْلَـٰئِكَ مَعَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِم مّنَ ٱلنَّبِيّينَ } في الجنة. وقال في رواية الضحاك: وذلك أن نفراً من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قالوا: يا نبي الله، وإن صرنا إلى الجنة، فإنك تفضلنا في الدرجات، كما أنك تفضلنا بدرجات النبوة، فلا نراك. فنزل: { فَأُوْلَـٰئِكَ مَعَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِم.... } الآية. حدثنا الخليل بن أحمد، قال: حدثنا أبو العباس، قال: حدثنا قتيبة، قال: حدثنا جهضم، عن عطاء بن السائب، عن الشعبي: أن رجلاً من الأنصار، أتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا رسول الله: لأنت أحب إِليَّ من نفسي وولدي وأهلي، فلولا أني آتيك فأراك لا ريب أي لا شك أني سوف أموت، قال: وبكى الأنصاري، فقال: ما أبكاك: قال: ذكرت أنك تموت، ونموت، وترفع مع النبيين، ونكون نحن وإن دخلنا الجنة دونك، فلم يجبه بشيء فأنزل الله تعالى: { وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ فَأُوْلَـٰئِكَ مَعَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِم } { مِّنَ ٱلنَّبِيّينَ وَٱلصِّدِّيقِينَ وَٱلشُّهَدَاءِ وَٱلصَّـٰلِحِينَ } أي من المسلمين، ثم قال: { وَحَسُنَ أُولَـٰئِكَ رَفِيقاً } في الجنة، أي رفقاء، كقوله تعالى:ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلاً } [غافر: 67]. أي أطفالاً، وكقوله:كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ ٱلْعَدُوُّ } [المنافقون: 4] أي الأعداء. { ذٰلِكَ ٱلْفَضْلُ مِنَ ٱللَّهِ } أي المن والعطية من فضل الله { وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ عَلِيماً } بالثواب في الآخرة. قوله تعالى: { يَـا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ خُذُواْ حِذْرَكُمْ } أي عدتكم من السلاح { فَٱنفِرُواْ ثُبَاتٍ } يعني عصباً سرايا { أَوِ ٱنْفِرُواْ جَمِيعاً } مع النبي - صلى الله عليه وسلم - بأجمعكم. وقال الزجاج: الثبات: الجماعة المتفرقة، فتأويله أنفروا جماعات متفرقة، وانفروا مجتمعاً بعضكم إلى بعض. وقوله عز وجل: { وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَن لَّيُبَطّئَنَّ } فاللام الأولى زيادة للتأكيد، واللام الثانية للقسم، أي وإن منكم من يتثاقل ويتخلف عن الجهاد، يعني المنافقين، فهذا الخطاب للمؤمنين، فكأنه يقول: إن فيكم منافقين يتثاقلون، ويتخلفون عن الجهاد، { فَإِنْ أَصَـٰبَتْكُمْ } معشر المسلمين { مُّصِيبَةٍ } يعني نكبة وشدة وهزيمة من العدو. { قَالَ } ذلك المنافق الذي فيكم وتخلف عن الجهاد { قَدْ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيَّ } بالجلوس { إِذْ لَمْ أَكُنْ مَّعَهُمْ شَهِيداً } أي حاضراً في تلك الغزوة. قوله تعالى: { وَلَئِنْ أَصَـٰبَكُمْ فَضْلٌ مِنَ الله } يعني الفتح والغنيمة، { لَيَقُولَنَّ كَأَن لَّمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ } أي معرفة ووداً في الدين، { يٰلَيتَنِي كُنتُ مَعَهُمْ } في تلك الغزوة { فَأَفُوزَ فَوْزاً عَظِيماً } فأصيب غنائم كثيرة. وقال مقاتل: في الآية تقديم وتأخير، ومعناه: فإن أصابتكم مصيبة، قال: قد أنعم الله علي إذ لم أكن معهم شهيداً، كأن لم يكن بينكم وبينه مودة في الدين ولا ولاية. قرأ ابن كثير وعاصم في رواية حفص (كأن لم يكن) بالتاء لأن المودة مؤنثة، وقرأ الباقون بالياء لأن تأنيثه ليس بحقيقي. ثم أمر المنافقين بأن يقاتلوا لوجه الله تعالى.