Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير بحر العلوم/ السمرقندي (ت 375 هـ) مصنف و مدقق


{ يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ قَدْ جَآءَكُمُ ٱلرَّسُولُ بِٱلْحَقِّ مِن رَّبِّكُمْ فَآمِنُواْ خَيْراً لَّكُمْ وَإِن تَكْفُرُواْ فَإِنَّ للَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً } * { يٰأَهْلَ ٱلْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ وَلاَ تَقُولُواْ عَلَى ٱللَّهِ إِلاَّ ٱلْحَقَّ إِنَّمَا ٱلْمَسِيحُ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ ٱللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَىٰ مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ فَآمِنُواْ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلاَ تَقُولُواْ ثَلاَثَةٌ ٱنتَهُواْ خَيْراً لَّكُمْ إِنَّمَا ٱللَّهُ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَن يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَّهُ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَكِيلاً }

قوله تعالى: { يَا أَيُّهَا ٱلنَّاسُ } ، قال ابن عباس: يعني أهل مكة. { قَدْ جَاءكُمُ ٱلرَّسُولُ بِٱلْحَقّ مِن رَّبّكُمْ } أي بشهادة أن لا إله إِلا الله، ويقال: ببيان الحق، ويقال: للحق، يعني للعرض والحجة وقوله تعالى: { قَدْ جَاءَكُمُ } على وجه المجاز، لأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد كان فيهم، ولكن معناه، أنه قد ظهر فيكم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كما قال في آية أُخرى:لَقَدْ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ } [التوبة: 128] أي ظهر فيكم ثم قال { فَآمِنُواْ خَيْراً لَّكُمْ } أي صدقوا بوحدانية الله تعالى والقرآن الذي جاءكم به محمد - صلى الله عليه وسلم - خيراً لكم من عبادة الأوثان، لأن عبادة الأوثان لا تغنيكم شيئاً، ثم قال تعالى: { وَإِن تَكْفُرُواْ } أي إن تجحدوا بالله وبمحمد - صلى الله عليه وسلم - فإن الله غنياً عنكم { فَإِنَّ لِلَّهَ مَا فِي ٱلسَّمَـٰوَاتِ وٱلأَرْضِ } كلهم عبيده وإماؤه. { وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيماً } بخلقه { حَكِيماً } في أمره. ثم قال تعالى: { يَا أَهْلَ ٱلْكِتَـٰبِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ }. قال الضحاك: أي لا تكذبوا في دينكم، وقال بعض أهل اللغة الغلو، مجاوزة القدر في الظلم، ويقال: الغلو أن تجاوز ما حد لك، وقال القتبي: يعني لا تفرطوا في دينكم، فإن دين الله بين المقصر والغالي، وغلا في القول إذا تجاوز المقدار، وقال ابن عباس: وذلك أن اليعقوبية، وهم صنف من النصارى قالوا: عيسى هو الله، وقالت النسطورية: هو ابن الله، وقالت المرقوسية ويقال لهم الملكانية: هو ثالث ثلاثة، فنزل { يَا أَهْلَ ٱلْكِتَـٰبِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ } ، قال مقاتل: الغلو في الدين أن يقول على الله غير الحق، ويقال: لا تتعمقوا في دينكم. ثم قال تعالى: { وَلاَ تَقُولُواْ عَلَى ٱللَّهِ إِلاَّ ٱلْحَقَّ } يعني لا تصنعوا بالله بما لا يليق بصفاته، فإن الله تعالى واحد لا شريك له، ولا ولد له. ثم قال تعالى: { إِنَّمَا ٱلْمَسِيحُ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ ٱللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَـٰهَا إِلَىٰ مَرْيَمَ } وهو قوله:كُنْ فَيَكُونُ } [النحل: 40] ثم قال: { وَرُوحٌ مِّنْهُ } قال ابن عباس في رواية الكلبي: يعني أمر منه، فأتاها جبريل فنفخ في جيب درعها، فدخلت تلك النفخة بطنها، ثم وصل إلى عيسى ابن مريم فتحرك في بطنها، وأمه أمة الله تعالى { فَآمِنُواْ بِٱللهِ وَرُسُلِهِ } يعني صدقوا بوحدانية الله تعالى، وبما جاءكم به الرسل من الله تعالى، { وَلاَ تَقُولُواْ ثَلَـٰثَةٌ } يعني لا تقولوا أن الله ثالث ثلاثة { ٱنتَهُواْ خَيْراً لَّكُمْ } يقول: توبوا إلى الله تعالى من مقالتكم، فالتوبة خيرٌ لكم من الإصرار على الكفر { إِنَّمَا ٱللَّهُ إِلَـٰهٌ وٰحِدٌ } ثم نزه نفسه عما قال الكفار فقال: { سُبْحَـٰنَهُ أَن يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ } ثم قال تعالى: { لَّهُ مَا فِي ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ } من الخلق { وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَكِيلاً } يعني كفيلاً، ويقال: شاهداً، ولا شاهد أفضل منه.