Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير بحر العلوم/ السمرقندي (ت 375 هـ) مصنف و مدقق


{ قُلْ إِنِّيۤ أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ ٱللَّهَ مُخْلِصاً لَّهُ ٱلدِّينَ } * { وَأُمِرْتُ لأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ ٱلْمُسْلِمِينَ } * { قُلْ إِنِّيۤ أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ } * { قُلِ ٱللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصاً لَّهُ دِينِي } * { فَٱعْبُدُواْ مَا شِئْتُمْ مِّن دُونِهِ قُلْ إِنَّ ٱلْخَاسِرِينَ ٱلَّذِينَ خَسِرُوۤاْ أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ أَلاَ ذَلِكَ هُوَ ٱلْخُسْرَانُ ٱلْمُبِينُ } * { لَهُمْ مِّن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِّنَ ٱلنَّارِ وَمِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ذَلِكَ يُخَوِّفُ ٱللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ يٰعِبَادِ فَٱتَّقُونِ } * { وَٱلَّذِينَ ٱجْتَنَبُواْ ٱلطَّاغُوتَ أَن يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوۤاْ إِلَى ٱللَّهِ لَهُمُ ٱلْبُشْرَىٰ فَبَشِّرْ عِبَادِ } * { ٱلَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ ٱلْقَوْلَ فَيَـتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ هَدَاهُمُ ٱللَّهُ وَأُوْلَـٰئِكَ هُمْ أُوْلُواْ ٱلأَلْبَابِ } * { أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ ٱلْعَذَابِ أَفَأَنتَ تُنقِذُ مَن فِي ٱلنَّارِ } * { لَـٰكِنِ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِّن فَوْقِهَا غُرَفٌ مَّبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ وَعْدَ ٱللَّهِ لاَ يُخْلِفُ ٱللَّهُ ٱلْمِيعَادَ }

قال عز وجل: { قُلْ إِنّى أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ ٱللَّهَ مُخْلِصاً لَّهُ ٱلدّينَ } وذلك أن كفار قريش قالوا للنبي - صلى الله عليه وسلم - ألا تنظر إلى ملة أبيك عبد الله، وملة جدك عبد المطلب، وسادات قومك يعبدون الأصنام، فنزل: { قُلْ } يا نبي الله إِنّى أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ ٱللَّهَ مُخْلِصاً لَّهُ ٱلدِّينَ يعني التوحيد { وَأُمِرْتُ لأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ ٱلْمُسْلِمِينَ } من أهل بلدي { قُلْ إِنِّى أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبّى } وعبدت غيره ينزل علي { عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ } أي في يوم القيامة { قُلِ ٱللَّهَ أَعْبُدُ } يعني أعبد الله { مُخْلِصاً لَّهُ دِينِى } أي توحيدي { فَٱعْبُدُواْ مَا شِئْتُمْ مّن دُونِهِ } من الآلهة وهذا كقولهلَكُمْ دِينُكُمْ } [الكافرون: 6] ويقال: { فَٱعْبُدُواْ مَا شِئْتُمْ مّن دُونِهِ } لفظه لفظ التخبير والأمر، والمراد به التهديد والتخويف، كقوله { ٱعْمَلُواْ مَا شِئْتُم مِن دُونِهِ } وكقوله: { قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلاً } ويقال: قد بين الله ثواب المؤمنين وعقوبة الكافرين، ثم قال: فاعبدوا ما شئتم من دونه وذلك قبل أن يؤمر بالقتال، فلما أيسوا منه أن يرجع إلى دينهم قالوا خسرت إن خالفت دين آبائك، فقال الله تعالى { قُلْ إِنَّ ٱلْخَـٰسِرِينَ ٱلَّذِينَ خَسِرُواْ أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ } يعني أنتم الخاسرون لا أنا، ويقال الذين خسروا أنفسهم بفوات الدرجات ولزوم الشركات { أَلاَ ذَلِكَ هُوَ ٱلْخُسْرَانُ ٱلْمُبِينُ } يعني الظاهر، حيث خسروا أنفسهم وأهلهم وأزواجهم { لَهُمْ مّن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مّنَ ٱلنَّارِ } يعني أطباقاً من نار { وَمِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ } يعني مهاداً من نار، أو معناه أن فوقهم نار، وتحتهم نار { ذٰلِكَ يُخَوّفُ ٱللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ } أي ذلك الذي ذكر يخوف الله به عباده في القرآن لكي يؤمنوا { يَٰعِبَادِ فَٱتَّقُونِ } أي فوحدون، وأطيعون { وَٱلَّذِينَ ٱجْتَنَبُواْ ٱلطَّـٰغُوتَ } قال مقاتل: يعني اجتنبوا عبادة الأوثان، وقال الكلبي: الطاغوت يعني الكهنة { أَن يَعْبُدُوهَا } يعني أن يطيعوها، ورجعوا إلى عبادة ربهم { وَأَنَابُواْ إِلَى ٱللَّهِ } أي أقبلوا إلى طاعة الله ويقال: رجعوا من عبادة الأوثان إلى عبادة الله { لَهُمُ ٱلْبُشْرَىٰ } يعني الجنة، ويقال الملائكة يبشرونهم في الآخرة { فَبَشّرْ عِبَادِ ٱلَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ ٱلْقَوْلَ } يعني القرآن { فَيَـتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ } يعني يعملون بحلاله، وينتهون عن حرامه، وقال الكلبي: يعني يجلس الرجل مع القوم فيستمع الأحاديث محاسن ومساوىء، فيتبع أحسنه فيأخذ المحاسن فيحدث بها، ويدع مساوئه، ويقال يستمعون القرآن ويتبعون أحسن ما فيه، وهو القصاص والعفو، يأخذ العفو لقولهوَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّـٰبِرينَ } [النحل: 126]، (وقال بعضهم: يستمع النداء، فيستجيب ويسرع إلى الجماعة وقال بعضهم: يستمع الناسخ والمنسوخ، والمحكم من القرآن فيعمل بالمحكم، ويؤمن بالناسخ والمنسوخ) ثم قال: { أُوْلَـئِكَ ٱلَّذِينَ هَدَاهُمُ ٱللَّهُ } أي وفقهم الله لمحاسن الأمور، ويقال { هَدَاهُمُ ٱللَّهُ } أي أكرمهم الله تعالى بدين التوحيد { وَأُوْلَـئِكَ هُمْ أُوْلُو ٱلأَلْبَـٰبِ } يعني ذوي العقول قوله عز وجل: { أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ ٱلْعَذَابِ } يعني وجب له العذاب، ويقال أفمن سبق في علم الله تعالى أنه في النار، كمن لا يجب عليه العذاب { أَفَأَنتَ تُنقِذُ مَن فِى ٱلنَّارِ } يعني تستنقذ من هو في علم الله تعالى أنه يكون في النار بعمله الخبيث، ويقال: من وجبت له النار، وقدرت عليه، ثم ذكر حال المؤمنين المتقين فقال عز من قائل: { لَكِنِ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوْاْ رَبَّهُمْ } يعني وحدوا ربهم، وأطاعوا ربهم، { لَهُمْ غُرَفٌ مّن فَوْقِهَا غُرَفٌ مَّبْنِيَّةٌ } في الجنة، وهي العلالي، غرف مبنية مرتفعة بعضها فوق بعض { تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَـٰرُ وَعْدَ ٱللَّهِ } في القرآن { لاَ يُخْلِفُ ٱللَّهُ ٱلْمِيعَادَ }.