الرئيسية - التفاسير


* تفسير بحر العلوم/ السمرقندي (ت 375 هـ) مصنف و مدقق


{ وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَىٰ مُوسَىٰ وَهَارُونَ } * { وَنَجَّيْنَاهُمَا وَقَوْمَهُمَا مِنَ ٱلْكَرْبِ ٱلْعَظِيمِ } * { وَنَصَرْنَاهُمْ فَكَانُواْ هُمُ ٱلْغَٰلِبِينَ } * { وَآتَيْنَاهُمَا ٱلْكِتَابَ ٱلْمُسْتَبِينَ } * { وَهَدَيْنَاهُمَا ٱلصِّرَاطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ } * { وَتَرَكْنَا عَلَيْهِمَا فِي ٱلآخِرِينَ } * { سَلاَمٌ عَلَىٰ مُوسَىٰ وَهَارُونَ } * { إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي ٱلْمُحْسِنِينَ } * { إِنَّهُمَا مِنْ عِبَادِنَا ٱلْمُؤْمِنِينَ } * { وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ } * { إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَلاَ تَتَّقُونَ } * { أَتَدْعُونَ بَعْلاً وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ ٱلْخَالِقِينَ } * { ٱللَّهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ آبَآئِكُمُ ٱلأَوَّلِينَ } * { فَكَذَّبُوهُ فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ } * { إِلاَّ عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلْمُخْلَصِينَ } * { وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي ٱلآخِرِينَ } * { سَلاَمٌ عَلَىٰ إِلْ يَاسِينَ } * { إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي ٱلْمُحْسِنِينَ } * { إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا ٱلْمُؤْمِنِينَ } * { وَإِنَّ لُوطاً لَّمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ } * { إِذْ نَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ } * { إِلاَّ عَجُوزاً فِي ٱلْغَابِرِينَ } * { ثُمَّ دَمَّرْنَا ٱلآخَرِينَ } * { وَإِنَّكُمْ لَّتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُّصْبِحِينَ } * { وَبِٱلَّيلِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ } * { وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ } * { إِذْ أَبَقَ إِلَى ٱلْفُلْكِ ٱلْمَشْحُونِ } * { فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ ٱلْمُدْحَضِينَ } * { فَٱلْتَقَمَهُ ٱلْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ } * { فَلَوْلاَ أَنَّهُ كَانَ مِنَ ٱلْمُسَبِّحِينَ } * { لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ } * { فَنَبَذْنَاهُ بِٱلْعَرَآءِ وَهُوَ سَقِيمٌ } * { وَأَنبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِّن يَقْطِينٍ } * { وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَىٰ مِئَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ } * { فَآمَنُواْ فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَىٰ حِينٍ }

قوله عز وجل: { وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَىٰ مُوسَىٰ وَهَـٰرُونَ } يعني: أنعمنا عليهما بالنبوة { وَنَجَّيْنَـٰهُمَا وَقَوْمَهُمَا مِنَ ٱلْكَرْبِ ٱلْعَظِيمِ } يعني: من الغرق { وَنَصَرْنَـٰهُمْ } يعني: موسى وقومه { فَكَانُواْ هُمُ ٱلْغَـٰلِبِينَ } بالحجة على فرعون { وَءاتَيْنَـٰهُمَا } يعني: موسى وهارون { ٱلْكِتَـٰبَ ٱلْمُسْتَبِينَ } يعني: المبين الذي قد بين فيه الحلال والحرام { وَهَدَيْنَـٰهُمَا ٱلصّرٰطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ } يعني: ثبتناهما على دين الإسلام { وَتَرَكْنَا عَلَيْهِمَا فِى ٱلآخِرِينَ } يعني: الثناء الحسن في الباقين. { سَلَـٰمٌ عَلَىٰ مُوسَىٰ وَهَـٰرُونَ } يعني: السلامة منا والمغفرة عليهما { إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِى ٱلْمُحْسِنِينَ } أي: نكافىء المحسنين { إِنَّهُمَا مِنْ عِبَادِنَا ٱلْمُؤْمِنِينَ } يعني: من المرسلين قوله عز وجل: { وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ } يعني: نبي من أنبياء بني إسرائيل عليهم السلام وقال بعضهم إنه إدريس وروي عن ابن مسعود أنه كان يقرأ وإن إدريس لمن المرسلين سلام على إدريس وقال بعضهم إلياس هو الخضر عليه السلام وقال بعضهم إلياس غير الخضر وإلياس صاحب البراري والخضر صاحب الجزائر ويجتمعان (في كل يوم عرفة بعرفات) ويقال هو من سبط يوشع بن نون بعثه الله تعالى إلى أهل بعلبك فكذبوه فأهلكهم الله تعالى بالقحط وقال الله عز وجل لإلياس سلني أعطك، قال ترفعني إليك فرفعه الله تعالى إليه، وجعله أرضياً، سماوياً، إنسياً ملكياً يطير مع الملائكة فذلك قوله تعالى: { إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَلاَ تَتَّقُونَ } اللفظ لفظ الاستفهام والمراد به الأمر يعني: اتقوا الله تعالى: { أَتَدْعُونَ بَعْلاً وَتَذَرُونَ } ربا، روى عكرمة عن ابن عباس قال: البعل الصنم، وقال مجاهد أتدعون بعلاً وَتَذَرُونَ رباً، وروى جبير عن الضحاك قال مر رجل وهو يقول من يعرف بعل البقرة فقال رجل أنا بعلها، فقال له ابن عباس أنك زوج البقرة فقال الرجل: يا ابن عباس أما سمعت قول الله تعالى يقول: { أَتَدْعُونَ بَعْلاً } يعني: رباً وأنا ربها، ويقال البعل كان اسم ذلك الصنم خاصة الذي كان لهم، ويقال كان صنماً من ذهب، فقال لهم { أَتَدْعُونَ بَعْلاً } أي الصنم { وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ ٱلْخَـٰلِقِينَ } الذي خلقكم يعني: تتركون عبادة الله { ٱللَّهُ رَبُّكُمُ } قرأ حمزة والكسائي وعاصم في رواية حفص اللَّهَ رَبَّكُمْ (وَرَبَّ ءابَائِكُمْ) كلها بالنصب، وقرأ الباقون كلها بالضم فمن قرأ بالنصب يرده إلى قوله { وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ ٱلْخَـٰلِقِين ٱللَّهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ } على صفة أحسن الخالقين ومن قرأ بالضم فهو على معنى الاستئناف فكأنه قال هو الله ربكم ورب آبائكم الأولين ثم قال عز وجل: { فَكَذَّبُوهُ } يعني: كذبوا إلياس { فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ } يعني: هم وآلهتهم لمحضرون النار { إِلاَّ عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلْمُخْلَصِينَ } فإنهم لا يحضرون النار { وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِى ٱلآخِرِينَ } يعني: الثناء الحسن { سَلَـٰمٌ عَلَىٰ إِلْ يَاسِينَ } قرأ نافع وابن عامر (سَلاَمٌ عَلَى آلِ يَاسِينَ) وقرأ الباقون إلْيَاسِين ومن قرأ آل ياسين، يعني محمداً - صلى الله عليه وسلم -، ويقال آل محمد فياسين اسم والال مضاف إليه، وآل الرجل أتباعه، وقيل أهله، ومن قرأ الياسين فله طريقان: أحدهما: أنه جمع الياس ومعناه الياس وأمته من المؤمنين كما يقال رأيت المهالبة يعني بني المهلب والثاني أن يكون لقبان الياس والياسين مثل ميكال وميكائيل ثم قال: { إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِى ٱلْمُحْسِنِينَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا ٱلْمُؤْمِنِينَ } وقد ذكرناه قوله عز وجل: { وَإِنَّ لُوطاً لَّمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ } قوله: { إِذْ نَجَّيْنَـٰهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِين إِلاَّ عَجُوزاً فِى ٱلْغَـٰبِرِينَ } { ثُمَّ دَمَّرْنَا ٱلآخَرِينَ } وقد ذكرناه ثم قال عز وجل { وَإِنَّكُمْ لَّتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُّصْبِحِينَ } يعني: إنكم يا أهل مكة، لتمرون على قرياتهم إذا سافرتم بالليل والنهار، فذلك قوله: { وَبِٱلَّيْلِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ } يعني: من جملة المرسلين { إِذْ أَبَقَ } يعني: إذ فر، ويقال: إذ هرب، ويقال: خرج { إِلَى ٱلْفُلْكِ ٱلْمَشْحُونِ } يعني: المُوقد من الناس، والدواب، ويقال المجهز الذي قد فرغ من جهازه { فَسَـٰهَمَ } يعني: اقترعوا، وقد ذكرت قصته في سورة الأنبياء { فَكَانَ مِنَ ٱلْمُدْحَضِينَ } يعني: من المقروعين، والمدحض في اللغة: هو المغلوب في الحجة، وأصله من دحض الرجل، إذ ذل من مكانه، قوله { فَٱلْتَقَمَهُ ٱلْحُوتُ } يعني: ابتلعه الحوت { وَهُوَ مُلِيمٌ } قال أهل اللغة المليم: الذي استوجب اللوم، سواء لأمره، أو لا، والملوم الذي يلام، سواء استوجب اللوم أو لا، ويقال وهو ملوم، يعني يلوم نفسه { فَلَوْلاَ أَنَّهُ كَانَ مِنَ ٱلْمُسَبّحِينَ } قال مقاتل والكلبي: لولا أنه كان من المصلين قبل ذلك، ويقال لولا أنه كان من المسبحين في بطن الحوت { لَلَبِثَ } أي لمكث { فِى بَطْنِهِ } ولكان بطنه قبره { إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ } يعني: إلى يوم القيامة قوله عز وجل: { فَنَبَذْنَـٰهُ بِٱلْعَرَاء } يعني: نبذه الحوت على ساحل البحر، ويقال بالفضاء على ظاهر الأرض، وقال أهل اللغة العراء: هو المكان الخاليّ من البناء، والشجر، والنبات فكأنه من عرى الشيء { وَهُوَ سَقِيمٌ } يعني: مريض، وذكر في الخبر أنه لم يبق له لحم، ولا ظفر، ولا شعر، فألقاه على الأرض كهيئة الطفل لا قوة له، وقد كان مكث في بطن الحوت أربعين يوماً، ثم قال { وَأَنبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مّن يَقْطِينٍ } قال مقاتل: يعني من قرع، وهكذا قال قتادة، ومجاهد، وقال أهل اللغة: كل شيء ينبت بسطاً فهو يقطين، هكذا قال الكلبي، وذكر في الخبر، أن وعلة كانت تختلف إليه ويشرب من لبنها، فكان تحت ظل اليقطين، ويشرب من لبن الوعلة يعني بقرة الوحش حتى تقوى ثم يبست تلك الشجرة فاغتم لذلك وحزن حزناً شديداً، وبكى فأوحى الله تعالى إليه إنك قد اغتتمت بيبس هذه الشجرة فكيف لم تغتم بهلاك مائة ألف أو يزيدون؟ فذلك قوله: { وَأَرْسَلْنَـٰهُ إِلَىٰ مِاْئَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ } يعني: كما أرسلناه قبل ذلك إلى قومه وهم مائة ألف، يعني: أهل نينوى، أو يزيدون، يعني بل يزيدون ويقال: يعني: ويزيدون وكانوا مائة وعشرين ألفاً { فَآمَنُواْ } يعني: لما جاءهم العذاب أقروا وصدقوا، فصرف الله عنهم العذاب، فذلك قوله { فَمَتَّعْنَـٰهُمْ إِلَىٰ حِينٍ } يعني: أبقيناهم إلى منتهى آجالهم، فخرج يونس عليه السلام فمر بجانب (مدينة نينوى، فرأى هناك غلاماً يرعى فقال من أنت يا غلام؟ فقال: من قوم يونس، فقال فإذا رجعت إليهم) فأخبرهم بأنك قد رأيت يونس فقال الغلام إنه من يحدث، ولم تكن له بينة قتلوه، فقال له يونس تشهد لك هذه البقعة، وهذه الشجرة، فدخل وقال للملك إني رأيت يونس عليه السلام يقرئك السلام، فلم يصدقوه حتى خرجوا فشهدت له الشجرة والبقعة قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، فأخذ الملك بيد الغلام، وقال أنت أحق بالملك مني فأقام الغلام أميرهم أربعين سنة.