Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير بحر العلوم/ السمرقندي (ت 375 هـ) مصنف و مدقق


{ قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يٰأَبَتِ ٱسْتَئْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ ٱسْتَئْجَرْتَ ٱلْقَوِيُّ ٱلأَمِينُ } * { قَالَ إِنِّيۤ أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ٱبْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَىٰ أَن تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْراً فَمِنْ عِندِكَ وَمَآ أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ } * { قَالَ ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا ٱلأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلاَ عُدْوَانَ عَلَيَّ وَٱللَّهُ عَلَىٰ مَا نَقُولُ وَكِيلٌ } * { فَلَمَّا قَضَىٰ مُوسَى ٱلأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِن جَانِبِ ٱلطُّورِ نَاراً قَالَ لأَهْلِهِ ٱمْكُثُوۤاْ إِنِّيۤ آنَسْتُ نَاراً لَّعَلِّيۤ آتِيكُمْ مِّنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِّنَ ٱلنَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ }

قوله عز وجل: { قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يٰأَبَتِ ٱسْتَـجِرْهُ } أي: قالت إحدى الابنتين التي جاءت به وقال في رواية مقاتل: هي الكبرى وقال في رواية الكلبي: هي الصغرى يا أبت استأْجر موسى ليرعى لك الغنم { إِنَّ خَيْرَ مَنِ ٱسْتَـجَرْتَ ٱلْقَوِىُّ ٱلأَمِينُ } يعني: خير الأجراء من يكون قوياً في العمل أميناً على المال والعورة ثم قال: إيش تعلمين أنه قوي أمين بماذا فأخبرته بالقصة قال أبو الليث: حدثنا محمد بن الفضل قال: حدثنا محمد بن جعفر قال: حدثنا إبرهيم بن يوسف قال: حدثنا أبو معاوية عن الحجاج عن الحكم قال: كان سريع لا يفسر شيئاً من القرآن إلا ثلاث آياتٱلَّذِى بِيَدِهِ عُقْدَةُ ٱلنِّكَاحِ } [البقرة: 237] قال: الزوجوَءاتَيْنَـٰهُ ٱلْحِكْمَةَ } [ص: 20] وفصل الخطاب قال: الحكمة: الفقه والعلم وفصل الخطاب: البينة والإيمان وقوله: { إِنَّ خَيْرَ مَنِ ٱسْتَـجَرْتَ ٱلْقَوِىُّ ٱلأَمِينُ } قال: كانت قوته أن يحمل صخرة لا يقوى على حملها إلا عشرة رجال وكانت أمانته أن ابنة شعيب مشت أمامه فوصفتها الريح فقال لها: تأخري وصفي لي الطريق { قَالَ } شعيب لموسى - عليهما السلام - { إِنّى أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ٱبْنَتَىَّ هَاتَيْنِ عَلَىٰ أَن تَأْجُرَنِى ثَمَانِىَ حِجَجٍ } يعني: أزوجك إحدى ابنتي على أن ترعى غنمي ثمان سنين وهذا الحكم في هذه الأمة جائز أيضاً لو تزوج الرجل المرأة على أن يرعى غنمها كذا وكذا سنة أو يرعى غنم ابيها يجوز النكاح ويكون ذلك مهراً لها { فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْراً } (يعني: عشر سنين) { فَمِنْ عِندِكَ } يعني: فإن أتممت عشر سنين فبفضلك وليس ذلك بواجب عليك { وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ } في السنتين يعني: أنت بالخيار في ذلك ويقال: بأن أشرط عليك العشر { سَتَجِدُنِى إِن شَاء اللَّهُ مِنَ الصَّـٰلِحِينَ } أي: من الوافين بالعهد وقال مقاتل: يعني: من المرافقين بك كقوله:ٱخْلُفْنِى فِى قَوْمِى وَأَصْلِحْ } [الأعراف: 142] يعني: ارفق بهم { قَالَ } موسى: { ذَلِكَ بَيْنِى وَبَيْنَكَ أَيَّمَا ٱلأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ } يعني: ذلك الشرط بيني وبينك أيما الأجلين أتممت لك إما الثماني وإما العشر { فَلاَ عُدْوَانَ عَلَىَّ } أي: لا سبيل لك علي ويقال: لا ظلم علي بأن أطالب أكثر منه فإن قيل كيف تجوز الإجارة بهذا الشرط على أحد الأجلين بغير وقت معلوم قيل له العقد قد وقع على الثماني وهو قوله أن تأجرني ثماني حجج خير في الزيادة والإجازة بهذا الشرط في الشريعة جائزة أيضاً ثم قال: { وَٱللَّهُ عَلَىٰ مَا نَقُولُ وَكِيلٌ } يعني: شهيد فيما بيننا ويقال: شاهد على ما نقول وعلى عقدنا وذكر مقاتل أن رجلاً من الأزد سأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أيما الأجلين قضى موسى قال " الله أعلم " حتى سأل جبريل فأتاه جبريل فسأله فقال الله أعلم حتى سأل إسرافيل - عليه السلام - فقال الله أعلم حتى اسأل رب العزة فأوحى الله تعالى إلى إسرافيل - عليه السلام - أن قد قضى موسى أبرهما وأوفاهما وروي عن ابن عباس أنه قال قضى موسى أيم الأجلين وقد كان شرطه له أن ما ولدت في ذلك العام ولداً أبلق فهو له فولدت في ذلك العام كلها بلقا فأخذ البلق، ومثل هذا الشرط في شريعتنا غير واجب إلا أن الوعد من الأنبياء - عليهم السلام - واجب فوفاه بوعده فلما أراد أن يخرج قال لشعيب - عليه السلام - يا شيخ أعطني عصا أسوق بها غنمي فقال لابنته التمسي له عصا فجاءت بعصا شعيب فقال شعيب - عليه السلام - ردي هذه وكانت تلك العصا أودعها إياه ملك في صورة إنسان وكانت من عود آس الجنة فردتها والتمست غيرها فلم يقع في يدها غيرها فأعطته فخرج مع أهله فضل الطريق وكانت ليلة باردة مظلمة فذلك قوله تعالى { فَلَمَّا قَضَىٰ مُوسَى ٱلأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ } يعني بِامرأتِهِ { آنسَ } يعني: أبصر { مِن جَانِبِ ٱلطُّورِ نَاراً قَالَ لأَهْلِهِ ٱمْكُثُواْ } يعني: قفوا مكانكم { إِنِّيۤ آنَسْتُ نَاراً لَّعَلِّيۤ آتِيكُمْ مِّنْهَا بِخَبَرٍ } أي خبر الطريق { أَوْ جَذْوَةٍ مّنَ ٱلنَّارِ } قرأ عاصم جذوة بنصب الجيم وقرأ حمزة بضم الجيم وقرأ الباقون بالكسر فهذه لغات معناها واحد وهو قطعة من النار ويقال شعلة وهو عود قد احترق { لَّعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ } أي لكي تصطلوا من البرد فترك امرأته في البرية وذهب.