Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير بحر العلوم/ السمرقندي (ت 375 هـ) مصنف و مدقق


{ فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولاۤ إِنَّا رَسُولُ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ } * { أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ } * { قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيداً وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ } * { وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ ٱلَّتِي فَعَلْتَ وَأَنتَ مِنَ ٱلْكَافِرِينَ } * { قَالَ فَعَلْتُهَآ إِذاً وَأَنَاْ مِنَ ٱلضَّالِّينَ } * { فَفَرَرْتُ مِنكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْماً وَجَعَلَنِي مِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ } * { وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدتَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ } * { قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ ٱلْعَالَمِينَ } * { قَالَ رَبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَآ إِن كُنتُمْ مُّوقِنِينَ } * { قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلاَ تَسْتَمِعُونَ } * { قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَآئِكُمُ ٱلأَوَّلِينَ } * { قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ ٱلَّذِيۤ أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ } * { قَالَ رَبُّ ٱلْمَشْرِقِ وَٱلْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَآ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ } * { قَالَ لَئِنِ ٱتَّخَذْتَ إِلَـٰهَاً غَيْرِي لأَجْعَلَنَّكَ مِنَ ٱلْمَسْجُونِينَ } * { قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيءٍ مُّبِينٍ } * { قَالَ فَأْتِ بِهِ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّادِقِينَ } * { فَأَلْقَىٰ عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ } * { وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَآءُ لِلنَّاظِرِينَ }

قوله عز وجل { فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولا إِنَّا رَسُولُ رَبّ ٱلْعَـٰلَمِينَ } يعني: موسى وحده ويضاف الشيء إلى اثنين ويراد به الواحد وقال القتبي: الرسول يكون بمعنى الجمع كما يكون الضيف بمعنى الجمعقَالَ إِنَّ هَـٰؤُلآءِ ضَيْفِى } [الحجر: 68] وقال أبو عبيدة: رسول بمعنى رسالة ويقال: رسول: يعني به: رسولين كقوله:إِنَّا رَسُولاَ رَبِّكَ } [طه: 47] فقال: { إِنَّا رَسُولُ رَبّ ٱلْعَـٰلَمِينَ } { أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِى إِسْرٰءيلَ } يعني: قل لفرعون ذلك ولم يذكر إتيانه إلى فرعون لأن في الكلام دليلاً عليه وقد بين في موضع آخر حيث قال:فَلَمَّا جَآءَهُم مُّوسَىٰ بِآيَـٰتِنَا بَيِّنَـٰتٍ } [القصص: 36] وقال مقاتل: (إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ) وانقطع الكلام ثم انطلق موسى وكان هارون بمصر فانطلقا إلى فرعون قال مقاتل: فلم يأذن لهما سنة ثم أخبر البواب فرعون أن ها هنا إنساناً يذكر أنه رسول رب العالمين فقال: ائذن له لعلنا نضحك منه وقال السدي: لما أتى باب فرعون ضرب موسى عليه السلام عصاه على الباب ففزع فرعون من ذلك فأذن له في الدخول من ساعته فلما دخل عليه عرفه فأدى الرسالة فقال له فرعون: { قَالَ أَلَمْ نُرَبّكَ فِينَا وَلِيداً } (قال الفقيه أبو الليث رحمه الله: أول ما بدأ فرعون بكلام السفلة ومن على نبي الله - صلى الله عليه وسلم - إنما أطعمه فقال: (ألم نربك فينا وليداً) يعني: ألم تكن صغيراً قد ربيناك { وَلَبِثْتَ فِينَا } يعني: مكثت عندنا { مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ } يعني: ثلاثين سنة { وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ ٱلَّتِى فَعَلْتَ } يعني: قتلت النفس التي قتلتها وقرأ في الشاذ (فعلتك) بكسر الكاف هي قراءة الشعبي وقراءة العامة بالنصب والنصب يقع على فعل واحد والكسر على المرات يعني: قتلت مرة وهممت بالقتل ثانياً ثم قال: { وَأَنتَ مِنَ ٱلْكَـٰفِرِينَ } بنعمتي ويقال: كفرت بي حيث قتلت النفس ويقال: وأنت من الجاحدين للقتل يعني: لم تقر بالقتل فأخبره موسى أنه غير جاحد للقتل { قَالَ فَعَلْتُهَا إِذاً } يعني: قتلت النفس { وَأَنَاْ مِنَ ٱلضَّالّينَ } عن النبوة كقوله:وَوَجَدَكَ ضَآلاًّ فَهَدَىٰ } [الضحى: 7] ويقال: من الجاهلين ولم أتعمد القتل قال القتبي: أصل الضلالة العدُول عن الحق ثم يكون لمعاني منها النسيان لأن الناسي عادل عنه فكما قال ها هنا (فَعَلْتُهَا إِذاً وَأَنَاْ مِنَ الضَّالّينَ) أي: من الناسين وكما قال:أَن تَضِلَّ إْحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا ٱلأُخْرَىٰ } [البقرة: 282] ثم قال عز وجل: { فَفَرَرْتُ مِنكُمْ } يعني: هربت منكم إلى مدين { لَمَّا خِفْتُكُمْ } على نفسي أن تقتلوني { فَوَهَبَ لِى رَبّى حُكْماً } قال الكلبي: يعني النبوة وقال مقاتل: يعني العلم والفهم { وَجَعَلَنِى مِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ } إليكم ثم قال عز وجل: { وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَىَّ أَنْ عَبَّدتَّ بَنِى إِسْرٰءيلَ } يعني: أو كان هذا نعمة تمنها علي أن عبدت بني إسرائيل فكأنه أنكر عليه فقال كيف تكون نعمتك التي تمن علي فإنك قد عبدت بني إسرائيل أي: استعبدتهم وتمن علي ويقال قد اعترف له بالنعمة فقال وتلك نعمة تمن علي حيث عبدت بني إسرائيل ولم تعبدني ويقال: معناه تلك نعمة إنما صارت نعمة بتعبيدك بني إسرائيل ولم تعبدني لأنك لو لم تعبدهم لم تجعلني أمي في التابوت حتى صرت في بيتك ولكن إنما صارت نعمة لأجلك حيث عبدت بني إسرائيل وقال مقاتل: وتلك نعمة تمنها علي يا فرعون بإحسانك إلي خاصة وبترك أبنائك أن عبدت بني إسرائيل وقال الكلبي: يقول تستعبد بني إسرائيل وتمن علي لذلك { قَالَ فِرْعَوْنُ } لموسى { وَمَا رَبُّ ٱلْعَـٰلَمِينَ } منكراً له وهذا جواب لقوله: { إِنَّا رَسُولُ رَبّ ٱلْعَـٰلَمِينَ } فجاء بجواب قطع حجته { قَالَ رَبُّ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِن كُنتُمْ مُّوقِنِينَ } بتوحيد الله تعالى فعجز فرعون عن الجواب { فَقَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلاَ تَسْتَمِعُونَ } إلى قول موسى - عليه السلام - قالوا له فيما تقول يا موسى فجاء بحجة أُخرى ليؤكد عليهم { قَالَ رَبُّكُمْ } يعني: أَدعوكم إلى ربكم { وَرَبُّ ءابَائِكُمُ ٱلأَوَّلِينَ } يعني إلى توحيد خالقكم وخالق آبائكم الأولين { قَالَ } فرعون لجلسائه { إِنَّ رَسُولَكُمُ ٱلَّذِى أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ قَالَ } موسى - عليه السلام - ليس بمجنون مثلي أدعوكم إلى { رَبُّ ٱلْمَشْرِقِ وَٱلْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ } يعني إن كان لكم ذهن الإنسانية فلما عجز عن الجواب مال إلى العقوبة كما يفعل السلاطين { فَقَالَ لَئِنِ ٱتَّخَذْتَ إِلَـٰهَاً غَيْرِى } يعني: لئن عبدت رباً غيري { لأَجْعَلَنَّكَ مِنَ ٱلْمَسْجُونِينَ } يعني: لأَحبسنك في السجن قال إبن عباس وكان سجنه أشد من القتل { قَالَ } موسى { أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَىء مُّبِينٍ } يعني: ولو جئتك بحجة بينة يستبين لكم أمري { قَالَ } فرعون { فَأْتِ بِهِ } يعني: فَأَرِنَاهُ { إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّـٰدِقِينَ } بأنك رسول { فَأَلْقَىٰ عَصَاهُ } من يده { فَإِذَا هِىَ ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ } يعني: حية صفراء من أعظم الحيات { وَنَزَعَ يَدَهُ } يعني: أخرج يده فقال ما هذه فقالوا يدك فأدخلها في جيبه وأخرجها { فَإِذَا هِىَ بَيْضَاء لِلنَّـٰظِرِينَ } يعني: لها شعاع كشعاع الشمس وانتشر الضوء حوالي مصر للناظرين لمن نظر إليها من غير برص فعجبوا من ذلك.