Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير بحر العلوم/ السمرقندي (ت 375 هـ) مصنف و مدقق


{ وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي ٱلزَّبُورِ مِن بَعْدِ ٱلذِّكْرِ أَنَّ ٱلأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ ٱلصَّالِحُونَ } * { إِنَّ فِي هَـٰذَا لَبَلاَغاً لِّقَوْمٍ عَابِدِينَ } * { وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ } * { قُلْ إِنَّمَآ يُوحَىٰ إِلَيَّ أَنَّمَآ إِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ فَهَلْ أَنتُمْ مُّسْلِمُونَ } * { فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُلْ ءَاذَنتُكُمْ عَلَىٰ سَوَآءٍ وَإِنْ أَدْرِيۤ أَقَرِيبٌ أَم بَعِيدٌ مَّا تُوعَدُونَ } * { إِنَّهُ يَعْلَمُ ٱلْجَهْرَ مِنَ ٱلْقَوْلِ وَيَعْلَمُ مَا تَكْتُمُونَ } * { وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَّكُمْ وَمَتَاعٌ إِلَىٰ حِينٍ } * { قَالَ رَبِّ ٱحْكُم بِٱلْحَقِّ وَرَبُّنَا ٱلرَّحْمَـٰنُ ٱلْمُسْتَعَانُ عَلَىٰ مَا تَصِفُونَ }

ثم قال عز وجل: { وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِى ٱلزَّبُورِ } يعني: في التوراة والإنجيل والزبور والقرآن وكل كتاب زبور { مِن بَعْدِ ٱلذّكْرِ } يعني: من بعد اللوح المحفوظ ويقال الذكر التوراة يعني: كتبنا في الإنجيل والزبور والفرقان من بعد التوراة أي بينا في هذه الكتب { أَنَّ ٱلأَرْضَ } يعني: أرض الجنة { يَرِثُهَا عِبَادِىَ ٱلصَّـٰلِحُونَ } يعني: ينزلها عبادي المؤمنون وهذا قول مجاهد وقتادة وسعيد بن جبير ومقاتل رضي الله عنه ويقال: إن الأرض المقدسة يرثها أي: ينزلها بنو إسرائيل ويقال: يعني: أرض الشام يرثها أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - ويقال: جميع الأرض تكون في آخر الزمان كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم - " سيبلغ ملك أمتي ما زوى لي منها ". قوله عز وجل: { إِنَّ فِى هَـٰذَا } أي: في هذا القرآن { لَبَلَـٰغاً } إلى الجنة { لّقَوْمٍ عَـٰبِدِينَ } أي: موحدين ويقال: في هذا القرآن لبلاغاً بلغهم من الله عز وجل لقوم مطيعين وعن كعب أنه قال: إنهم أهل الصلوات الخمس قوله عز وجل: { وَمَا أَرْسَلْنَـٰكَ إِلاَّ رَحْمَةً لّلْعَـٰلَمِينَ } يعني: ما بعثناك يا محمد إلاَّ رحمة للعالمين يعني: نعمة للجن والإنس ويقال للعالمين أي: لجميع الخلق لأن الناس كانوا ثلاثة أصناف مؤمن وكافر ومنافق وكان رحمة للمؤمنين حيث هداهم طريق الجنة ورحمة للمنافقين حيث أمِنوا القتل ورحمة للكافرين بتأخير العذاب وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: من آمن بالله ورسوله فله الرحمة في الدنيا والآخرة ومن لم يؤمن بالله ورسوله عوفي أن يصيبه ما كان يصيب الأمم السالفة قبل ذلك فهو رحمة للمؤمنين والكافرين وذكر في الخبر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لجبريل عليه السلام: يقول الله عز وجل: { وَمَا أَرْسَلْنَـٰكَ إِلاَّ رَحْمَةً لّلْعَـٰلَمِينَ } فهل أصابك من هذه الرحمة قال: نعم أصابني من هذه الرحمة أني كنت أخشى عاقبة الأمر فآمنت بك لثناء أثنى الله تعالى عليّ بقوله عز وجل:ذِى قُوَّةٍ عِندَ ذِى ٱلْعَرْشِ مَكِينٍ مُّطَـٰعٍ ثَمَّ أَمِينٍ } [التكوير: 20- 21] قوله عز وجل: { قُلْ إِنَّمَا يُوحَىٰ إِلَىَّ أَنَّمَا إِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وٰحِدٌ } أي: ربكم رب واحد { فَهَلْ أَنتُمْ مُّسْلِمُونَ } أي: مخلصون بالتوحيد ويقال: مخلصون بالعبادة اللفظ لفظ الاستفهام والمراد به الأمر يعني: أَسلموا ثم قال: { فَإِن تَوَلَّوْاْ } قال: فإن أعرضوا عن الإيمان { فَقُلْ ءاذَنتُكُمْ } يعني: أَعلمتكم { عَلَىٰ سَوَاءٍ } أي: على بيان علانية غير سر ويقال أعلمتكم بالوحي الذي يوحى إليّ لنستوي في الإيمان به ويقال: معناه أعلمتكم فقد صرت أنا وأنتم على سواء وهذا من الاختصار ثم قال عز وجل: { وَإِنْ أَدْرِى } يعني: وما أدري { أَقَرِيبٌ أَم بَعِيدٌ مَّا تُوعَدُونَ } من نزول العذاب بكم في الدنيا فقل لهم: { إِنَّهُ يَعْلَمُ ٱلْجَهْرَ مِنَ ٱلْقَوْلِ } يعني: العلانية { وَيَعْلَمُ مَا تَكْتُمُونَ } يعني: ما تسرون من التكذيب بالعذاب ثم قال عز وجل: { وَإِنْ أَدْرِى } يعني: وما أدري { لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَّكُمْ } لعل تأخير العذاب عنكم في الدنيا فتنة لكم لأنهم كانوا يقولون لو كان حقاً لنزل بنا العذاب { وَمَتَـٰعٌ إِلَىٰ حِينٍ } أي: بلاغ إلى منتهى آجالكم يعني: تعيشون إلى الموت قوله عز وجل: { قَالَ رَبّ ٱحْكُم بِٱلْحَقّ } يعني: اقض بيني وبين أهل مكة بالعدل، ويقال: بالعذاب { وَرَبُّنَا ٱلرَّحْمَـٰنُ } أي: العاطف على خلقه بالرزق { ٱلْمُسْتَعَانُ عَلَىٰ مَا تَصِفُونَ } يعني: أستعين به على ما تقولون وتكذبون ويقال: المطلوب منه العون والنصرة وروي عن الضحاك أنه قرأ: (قل رب احكم بالحق) على معنى الخبر على ميزان افعل يعني: هو أحكم الحاكمين قال: لأنه لا يجوز أن يسأل أن يحكم بالحق وهو لا يحكم إلاَّ بالحق وقرأه العامة (قل رب احكم) على معنى السؤال معناه أحكم بحكمك ثم يخبر عن ذلك الحكم أنه حق قرأ عاصم في رواية حفص قال: رب احكم على معنى الحكاية وقرأ الباقون قل رب احكم وقرأ ابن عامر في إحدى الروايتين على ما يصفون بالياء بلفظ المغايبة وقرأ الباقون بالتاء على معنى المخاطبة وقرأ حمزة الزبور بضم الزاي وقرأ الباقون بالنصب والله أعلم بالصواب.