Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير بحر العلوم/ السمرقندي (ت 375 هـ) مصنف و مدقق


{ وَلاَ تَتَّخِذُوۤاْ أَيْمَانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا وَتَذُوقُواْ ٱلْسُّوۤءَ بِمَا صَدَدتُّمْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ وَلَكُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ } * { وَلاَ تَشْتَرُواْ بِعَهْدِ ٱللَّهِ ثَمَناً قَلِيلاً إِنَّمَا عِنْدَ ٱللَّهِ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ } * { مَا عِندَكُمْ يَنفَدُ وَمَا عِندَ ٱللَّهِ بَاقٍ وَلَنَجْزِيَنَّ ٱلَّذِينَ صَبَرُوۤاْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } * { مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ }

ثم قال تعالى: { وَلاَ تَتَّخِذُواْ أَيْمَـٰنَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا } أي: إن ناقض العهد يزل عن الطاعة كما تزل قدم الرجل بعد الاستقامة { وَتَذُوقُواْ ٱلْسُّوءَ } أي: تتجرعوا العقوبة { بِمَا صَدَدتُّمْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ } أي: صرفتم الناس عن دين الإسلام { وَلَكُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ } يعني: شديد في الآخرة { وَلاَ تَشْتَرُواْ بِعَهْدِ ٱللَّهِ } أي لا تختاروا على عهد الله والحلف به { ثَمَناً قَلِيلاً } أي: عرضاً يسيراً من الدنيا { إِنَّمَا عِنْدَ ٱللَّهِ } في الآخرة من الثواب الدائم { هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ } أي: ثواب الجنة { إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ } أَن الآخرة خير من الدنيا، ويقال: إن كنتم تصدقون بثوابه. قال الكلبي: " نزلت الآية في رجل من حضرموت يقال له عبدان بن الأشوع قال: يا رسول الله إنّ امرأ القيس الكندي جاورني في أرض فاقتطع أرضي فذهب بها وغلبني عليها. فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «أيشهد لك أحد على ما تقول؟» قال: يا رسول الله إِنَّ القوم كلهم يعلمون أنِّي صادق فيما أقول ولكنه أكرم عليهم مني عليهم. فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لامرىء القيس.« ما يقول صاحبك؟» قال الباطل والكذب فأمره رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بأن يحلف. فقال عبدان: إنه لفاجر وما يبالي أن يحلف فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم - «إن لم يكن لك شهود فخذ يمينه». فقال عبدان. وما لي يا رسول الله إلا يمينه؟ فقال لا. فأمره النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يحلف. فلما قام ليحلف أخره رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقال له: «إنصرف " فانصرف من عنده فنزلت هذه الآية { وَلاَ تَشْتَرُواْ بِعَهْدِ ٱللَّهِ ثَمَناً قَلِيلاً } إلى قوله: { مَا عِندَكُمْ يَنفَدُ } أي: ما عندكم من أمور الدنيا يفنى { وَمَا عِندَ ٱللَّهِ بَاقٍ } أي: ثواب الله في الجنة دائم لأَهلها { وَلَنَجْزِيَنَّ ٱلَّذِينَ صَبَرُواْ } عن اليمين وأقروا بالحق. ويقال الذين صبروا على الإيمان وأقروا بالحق { أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } يعني: بالإحسان الذي كانوا يعملون في الدنيا. ويقال: يجزيهم بأحسن أعمالهم ويبقى سائر أعمالهم فضلاً. قال الكلبي: فلما نزلت هاتان الآيتان قال امرؤ القيس: أَمَّا ما عندي فينفد وأمَّا صاحبي فيجزى بأَحسن ما كان يعمل. اللَّهم إنه صادق فيما قال، لقد اقتطعت أرضه. والله ما أدري كم هي. ولكنه يأخذ ما يشاء من أرض ومثلها معها بما أكلت من ثمارها. فنزل { مَنْ عَمِلَ صَـٰلِحاً مّن ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ } يعني: لا يقبل العمل منه ما لم يكن مؤمناً، فإذا كان مؤمناً وعمل صالحاً يقبل منه، ثم قال: { فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَوٰةً طَيّبَةً } في الجنة، ويقال: يجعل حياته في طاعة الله ويقال: فلنقنعه باليسير من الدنيا. وروي عن ابن عباس أنه قال: الكسب الطيب والعمل الصالح، وعن عليّ إنه قال: القناعة، وقال الحسن: لا تطيب الحياة لأحد إلا في الجنة، وقال الضحاك: الرزق الحلال وعبادة الله تعالى ثم قال: { وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم } أي: ثوابهم { بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } أي: يثيبهم بإحسانهم ويعفو عن سيئاتهم. قرأ ابن كثير وعاصم وابن عامر في إحدى الروايتين " وَلَنَجْزِيَنَّ الذين صبروا " بالنون وقرأ الباقون بالياء، واتفقوا في قوله " وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ " بالنون.