Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير تفسير المنار / محمد رشيد بن علي رضا (ت 1354هـ) مصنف و مدقق


{ وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِيۤ ءَادَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَىٰ شَهِدْنَآ أَن تَقُولُواْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَـٰذَا غَافِلِينَ } * { أَوْ تَقُولُوۤاْ إِنَّمَآ أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِن قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِّن بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ ٱلْمُبْطِلُونَ } * { وَكَذٰلِكَ نُفَصِّلُ ٱلآيَاتِ وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ }

هذه الآيات بدء سياق جديد في شؤون البشر العامة المتعلقة بهداية الله لهم بما أودع في فطرتهم وركب في عقولهم من الإستعداد للإيمان به وتوحيده وشكره، في إثر بيان هدايته لهم بإرسال الرسل وإنزال الكتب في قصّة بني إسرائيل، فالمناسبة بين هذا وما قبله ظاهرة ولذلك عطف عليه عطف جملة على جملة، أو سياق على سياق، قال تعالى.

{ وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِيۤ ءَادَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ } الظهور جمع ظهر وهو العمود الفقري لهيكل الإنسان الذي هو قوام بنيته، ومركز النخاع الشوكي الذي عليه مدار حياته، فيصحّ أن يعبّر به عن جملة وجوده الجسدي الحيواني، والذرية سلالة الإنسان من الذكور والإناث. قرأ نافع وأبو عمرو وإبن عامر ويعقوب (ذرياتهم) بالجمع والباقون بالإفراد ومعناهما واحد فإنّ المفرد المضاف يفيد العموم، ورسمها في المصحف الإمام واحد.

وقوله (من ظهورهم) بدل من بني آدم بمعناه والجمهور على أنّه بدل البعض من الكل، وهو الظاهر إذا لم يرد بهذا البعض ذلك الكل، وقال أبو البقاء هو بدل إشتمال.

والمعنى وأذكر أيّها الرسول في إثر ذكر أخذ ميثاق الوحي على بني إسرائيل خاصة، ما أخذه الله من ميثاق الفطرة والعقل على البشر عامة، إذ استخرج من بني آدم ذريتهم بطناً بعد بطن، فخلقهم على فطرة الإسلام، وأودع في أنفسهم غريزة الإيمان، وجعل من مدارك عقولهم الضرورية أن كلّ فعل لا بدّ له من فاعل، وكلّ حادث لا بدّ له من محدث، وأن فوق كلّ العوالم الممكنة القائمة على سنة الأسباب والمسببات، والعلل والمعلولات، سلطاناً أعلى على جميع الكائنات، هو الأوّل والآخر، هو المستحق للعبادة وحده، - وقد بسطنا هذه المسألة - وهذا معنى قوله تعالى: { وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَىٰ شَهِدْنَآ } [الأعراف: 172] أي أشهد كلّ واحد من هذه الذرية المتسلسلة على نفسه بما أودعه في غريزته وإستعداد عقله قائلاً قول إرادة وتكوين، لا قول وحي وتلقين، ألست بربكم؟

فقالوا كذلك بلغة الإستعداد ولسان الحال، لا بلسان المقال: بلى أنت ربنا والمستحق وحده لعبادتنا. فهو من قبيل قوله تعالى بعد ذكر خلق السماءفَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ ٱئْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَآ أَتَيْنَا طَآئِعِينَ } [فصلت: 11] وهذا النوع من التعبير والبيان يسمّى في عرف علماء البلاغة بالتمثيل، وهو أعلى أساليب البلاغة وشواهده في القرآن وكلام البلغاء كثيرة.

بيّن سبحانه سبب هذا الإشهاد وعلته فقال:

{ أَن تَقُولُواْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَـٰذَا غَافِلِينَ } أي فعلنا هذا منعاً لإعتذاركم أو إحتجاجكم يوم القيامة بأن تقولوا إذا أنتم أشركتم به: إنّا كنّا غافلين عن هذا التوحيد للربوبية وما يستلزمه من توحيد الإلهية بعبادة الرب وحده والمراد إنّه تعالى لا يقبل منهم الإعتذار بالجهل.

السابقالتالي
2 3 4 5 6 7 8 9 10  مزيد