الرئيسية - التفاسير


* تفسير تفسير المنار / محمد رشيد بن علي رضا (ت 1354هـ) مصنف و مدقق


{ قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَآ أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلَىٰ طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَّسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ ٱللَّهِ بِهِ فَمَنِ ٱضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } * { وَعَلَى ٱلَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ ٱلْبَقَرِ وَٱلْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَآ إِلاَّ مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ ٱلْحَوَايَآ أَوْ مَا ٱخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذٰلِكَ جَزَيْنَٰهُم بِبَغْيِهِمْ وِإِنَّا لَصَٰدِقُونَ } * { فَإِن كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَّبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ وَلاَ يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ ٱلْقَوْمِ ٱلْمُجْرِمِينَ }

تقرر في الآيات السابقة أنه ليس لأحد أن يحرم على أحد شيئاً من الطعام - وكذا غيره - إلا بإذن من الله في وحيه إلى رسله، وأن من فعل ذلك فهو مفتر على الله تعالى معتد على مقام الربوبية إذ لا يحرم على العباد إلا ربهم، وإن من أطاعه في ذلك فقد اتخذه شريكاً لله تعالى في ربوبيته.

والآيات في هذا المعنى كثيرة وأن من هذا الشرك والإفتراء على الله تعالى ما حرمت الجاهلية من الأنعام والحرث كما فصل في الآيات التي قبل هذه وقد ختم الله تعالى هذا السياق ببيان ما حرمه على عباده من الطعام على لسان خاتم رسله وشرع من قبله فقال:

{ قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَآ أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلَىٰ طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَّسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ ٱللَّهِ بِهِ } أي قل أيها الرسول لهؤلاء المفترين على الله تعالى فيما يضرهم من تحريم ما لم يحرم عليهم ولغيرهم من الناس لا أجد فيما أوحاه الله تعالى إلي طعاماً محرماً على آكل يريد أن يأكله بل الأصل في جميع ما شأنه أن يؤكل أن يكون مباحاً لذاته إلا أن يكون ميتة أي بهيمة ماتت حتف أنفها ولو بسبب غير التذكية بقصد الأكل أو دماً مسفوحاً أي مصبوباً كالدم الذي يجري من المذبوح أو لحم خنزير فإن ذلك كله خبيث تعافه الطباع السليمة وضاراً بالأبدان الصحيحة.

أو فسقاً أهل لغير الله به وهو ما يتقرب به إلى غيره تعبداً ويذكر اسم ذلك الغير عليه عند ذبحه وجعل بعضهم الوصف بالرجس للحم الخنزير خاصة واستدلوا به على نجاسة عينه حتى قال بعضهم بنجاسة شعره.

وما اخترناه من كون الوصف لجميع ما ذكر من الأنواع الثلاثة هو المتبادر وهو أظهر في الميتة والدم المسفوح منه في لحم الخنزير ولا سيما إذا أريد بالرجس الحسي منه فإن طباع أكثر البشر تستقذرهما وتعافهما ولحم الخنزير من أجمل اللحوم منظراً فلا يعافه إلا من يعتقد حرمته وذلك استقذار معنوي لا حسي وإنما يستقذر الخنزير حياً بملازمته للأقذار وأكله منها.

والأرجح أن سبب تحريم لحمه ما فيه من الضرر لا كونه من القذر وتقدم بيان ذلك في تفسير آية المائدة.

قرأ ابن كثير وحمزة (تكون ميتة) بالتاء لتأنيث ميتة وابن عامر بالتاء مع رفع ميتة على معنى إلا أن توجد ميتة، والباقون بالياء مع نصب ميتة وهذه وجوه: في العربية كلها جائزة فصيحة.

{ فَمَنِ ٱضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } أي فمن دفعته ضرورة المجاعة وفقد الحلال إلى أكل شيء من هذه المحرمات حال كونه غير باغ أي مريد لذلك قاصد له ولا متعد فيه قدر الضرورة فإن ربك الذي لم يحرم ما ذكر إلا لضرره، غفور رحيم فلا يؤاخذه بأكل ما يسد رمقه ويدفع به الهلاك عن نفسه.

السابقالتالي
2 3 4 5 6 7 8 9 10  مزيد