Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير تفسير المنار / محمد رشيد بن علي رضا (ت 1354هـ) مصنف و مدقق


{ إِنَّآ أَنزَلْنَا ٱلتَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا ٱلنَّبِيُّونَ ٱلَّذِينَ أَسْلَمُواْ لِلَّذِينَ هَادُواْ وَٱلرَّبَّانِيُّونَ وَٱلأَحْبَارُ بِمَا ٱسْتُحْفِظُواْ مِن كِتَابِ ٱللَّهِ وَكَانُواْ عَلَيْهِ شُهَدَآءَ فَلاَ تَخْشَوُاْ ٱلنَّاسَ وَٱخْشَوْنِ وَلاَ تَشْتَرُواْ بِآيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْكَافِرُونَ } * { وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَآ أَنَّ ٱلنَّفْسَ بِٱلنَّفْسِ وَٱلْعَيْنَ بِٱلْعَيْنِ وَٱلأَنْفَ بِٱلأَنْفِ وَٱلأُذُنَ بِٱلأُذُنِ وَٱلسِّنَّ بِٱلسِّنِّ وَٱلْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أنزَلَ ٱللَّهُ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلظَّالِمُونَ } * { وَقَفَّيْنَا عَلَىٰ آثَارِهِم بِعَيسَى ٱبْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ ٱلتَوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ ٱلإِنجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ ٱلتَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ } * { وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ ٱلإِنْجِيلِ بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فِيهِ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْفَاسِقُونَ }

هذه الآيات من سياق التي قبلها والتي بعدها، والغرض منها: بيان كون التوراة كانت هداية لبني إسرائيل، فأعرضوا عن العمل بها لما عرض لهم من الفساد، وبيان مثل ذلك في الإنجيل وأهله، ثم الانتقال من ذلك إلى ما سيأتي من ذكر إنزال القرآن ومزيته وحكمة ذلك. ومنه يعلم: إنّ العبرة بالاهتداء بالدين، وإنه لا ينفع أهل الانتماء إليه إذا لم يقيموه، إذ لا يستفيدون من هدايته ونوره، إلاّ بإقامته والعمل به. وإن إيثار أهل الكتاب أهواءهم على هداية دينهم، هو الذي أعماهم عن نور القرآن والاهتداء به قال تعالى:

{ إِنَّآ أَنزَلْنَا ٱلتَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ } أي إنا نحن أنزلنا التوراة على موسى مشتملة على هدى في العقائد والأحكام، خرج به بنو إسرائيل من وثنية المصريين وضلالهم، وعلى نور أبصروا به طريق الاستقلال في أمر دينهم ودنياهم.

{ يَحْكُمُ بِهَا ٱلنَّبِيُّونَ ٱلَّذِينَ أَسْلَمُواْ لِلَّذِينَ هَادُواْ } أنزلناها قانوناً للأحكام، يحكم بها النبيوّن - موسى ومن بعده من أنبياء بني إسرائيل - طائفة من الزمان، انتهت ببعثة عيسى ابن مريم عليه السلام. وهم الذين أسلموا وجوههم لله مخلصين له الدين على ملّة إبراهيم عليهم الصلاة والسلام، فالإسلام دين الجميع، وكل ما استحدثه اليهود والنصارى من أسباب التفرّق في الدين، فهو باطل وضلال مبين. وإنما يحكمون للذين هادوا أي اليهود خاصة؛ لأنها شريعة خاصة بهم لا عامة، ولذلك قال آخرهم عيسى: لم أرسل إلاّ إلى خراف إسرائيل الضالة. ولم يكن لداود وسليمان وعيسى من دونها شريعة.

{ وَٱلرَّبَّانِيُّونَ وَٱلأَحْبَارُ } أي ويحكم بها الرّبانيون والأحبار في الأزمنة أو الأمكنة التي لم يكن فيها أنبياء أو معهم بإذنهم. والربانيون هم المنسوبون إلى الرب - إما بمعنى الخالق المدبر لأمر الملك، لأنهم يعنون بالعلم الإلهي والتهذيب الروحاني، وإما بمعنى مصدر ربّه بربّه أي ربّاه، لأنهم يربّون أنفسهم ثم غيرهم بالعلم والعرفان، وأحاسن الآداب والأخلاق - وهم كبار كهنتهم من اللاويين الصالحين. ويروى عن أمير المؤمنين علي كرم الله وجهه أنه قال: أنا ربّاني هذه الأمة. وقد سبق بيان معنى الكلمة في تفسير آل عمران.

والأحبار: جمع حبر (بفتح الحاء وكسرها) وهو العالم. ومادة حبر في اللغة تدل على الجمال والزينة التي تسرّ الناس، وشعر محبّر: مزيّن بنكت البلاغة والفصاحة. وثوب محبّر: مزين بالنقوش أو الوشي الجميل. ومنه برد حبرة (بالكسر) وحبير، وهو ثوب ذو خطوط بيض وسود أو حمر. فيحتمل أن يكون إطلاق لفظ الحبر على العالم مأخوذا من هذا المعنى، ويحتمل إن يكون من الحبر الذي يكتب به.

وقال الراغب: الحبر (بالكسر) الأثر المستحسن. ثم قال: والحبر العالم، وجمعه أحبار، لما يبقى من أثر علومهم.

السابقالتالي
2 3 4 5 6 7 8 9 10  مزيد