Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير تفسير المنار / محمد رشيد بن علي رضا (ت 1354هـ) مصنف و مدقق


{ قَدْ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي ٱلسَّمَآءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوِهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ وَمَا ٱللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ } * { وَلَئِنْ أَتَيْتَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَّا تَبِعُواْ قِبْلَتَكَ وَمَآ أَنتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُم بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ وَلَئِنِ ٱتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُم مِّن بَعْدِ مَا جَآءَكَ مِنَ ٱلْعِلْمِ إِنَّكَ إِذَاً لَّمِنَ ٱلظَّالِمِينَ } * { ٱلَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ ٱلْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقاً مِّنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ ٱلْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ } * { ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُمْتَرِينَ }

قالوا: كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يتشوّف لتحويل القبلة من بيت المقدس ويرجوه، بل قال (الجلال): إنّه كان ينتظره؛ لأن الكعبة قبلة أبيه إبراهيم، والتوجّه إليها أدعى إلى إيمان العرب، أي: وعلى العرب المعوّل في ظهور هذا الدين العامّ؛ لأنهم كانوا أكمل استعداداً له من جميع الأنام.

قال الأستاذ الإمام: ولا بعد في تشوّفه إلى قبلة إبراهيم، وقد جاء بإحياء ملّته، وتجديد دعوته، ولا يعدّ هذا من الرغبة عن أمر الله تعالى إلى هوى نفسه، كلاّ إن هوى الأنبياء لا يعدو أمر الله تعالى وموافقة رضوانه، ولو كان لأحدٍ منهم هوًى ورغبة في أمرٍ مباحٍ - مثلاً - وأمره الله تعالى بخلافه، لانقلبت رغبته فيه إلى الرغبة عنه إلى ما أمر الله تعالى به ورضيه، بل المقام أدقّ، والسرّ أخفى: إنّ روح النبي منطوية على الدين في جملته من قبل أن ينزل عليه الوحي بتفصيل مسائله، فهي تشعر بصفائها وإشراقها بحاجة الأمّة التي بعث فيها شعوراً إجمالياً كليّاً لا يكاد يتجلّى في جزئيات المسائل وآحاد الأحكام، إلاّ عند شدّة الحاجة إليها، والإستعداد لتشريعها، عند ذلك يتوجّه قلب النبي إلى ربّه طالباً بلسان إستعداده بيان ما يشعر به مجملاً، وإيضاح ما يلوح له مبهماً، فينزل الروح الأمين على قلبه، ويخاطبه بلسان قومه عن ربّه، وهكذا الوحي إمداد في موطن إستعداد، لا كسب فيه للعباد، وإذا كان حكم شرع لسببٍ مؤقت، وزمن في علم الله معيّن، فإنّ روح النبي تشعر بذلك في الجملة، فإذا تمّ الميقات، وأزف وقت الرقي إلى ما هو آت، وجدت من الشعور بالحاجة إلى النسخ ما يوجهها إلى الشارع العليم، والديّان الحكيم، كما كان يتقلّب وجه نبيّنا في السماء تشوّفاً إلى تحويل القبلة، فذلك قوله تعالى: { قَدْ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي ٱلسَّمَآءِ } أي إنّنا نرى تقلّب وجهك أيّها الرسول وتردّده المرّة بعد المرّة في السماء، مصدر الوحي وقبلة الدعاء، إنتظاراً لما ترجوه من نزول الأمر بتحويل القبلة.

فسّر بعضهم تقلّب الوجه بالدعاء، وحقيقة الدعاء هي شعور القلب بالحاجة إلى عناية الله تعالى فيما يطلب، وصدق التوجّه إليه فيما يرغب، ولا يتوقّف على تحريك اللسان بالألفاظ، فإنّ الله ينظر إلى القلوب وما أسّرت فإن وافقتها الألسنة فهي تبع لها، وإلاّ كان الدعاء لغواً يبغضه الله تعالى، فالدعاء الديني لا يتحقّق إلا بإحساس الداعي بالحاجة إلى عناية الله تعالى، وعن هذا الإحساس يعبّر اللسان بالضراعة والإبتهال، فهذا التفسير ليس بأجنبي من سابقه. فتقلّب الوجه في السماء عبارة عن التوجّه إلى الله تعالى انتظاراً لمّا كانت تشعر به روح النبي - صلى الله عليه وسلم - وترجوه من نزول الوحي بتحويل القبلة، ولا تدلّ الآية على أنّه كان يدعو بلسانه طالباً هذا التحويل، ولا تنفي ذلك.

السابقالتالي
2 3 4 5 6