Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير تفسير المنار / محمد رشيد بن علي رضا (ت 1354هـ) مصنف و مدقق


{ مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } * { أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ لَهُ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا لَكُمْ مِّن دُونِ ٱللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ } * { أَمْ تُرِيدُونَ أَن تَسْأَلُواْ رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَىٰ مِن قَبْلُ وَمَن يَتَبَدَّلِ ٱلْكُفْرَ بِٱلإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَآءَ ٱلسَّبِيلِ }

قال أئمّة اللغة: إنّ أصل النسخ النقل سواء كان نقل الشيء بذاته، كما يقال: نسخت الشمس الظل: أي نقلته من مكان إلى مكان، أو نقل صورته، كما يقال: نسخت الكتاب: إذا نقلت عنه صورة مثل الأولى، وورد: نسخت الريح الأثر: أي أزالته. وأصل النسيان الترك، أو هو غايته اللازمة له، ومنه قوله تعالى:أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذٰلِكَ ٱلْيَوْمَ تُنْسَىٰ } [طه: 126] أي تركتها بترك العمل بها فجزاؤك أن تترك في العذاب، فاحفظ المعنى اللغوي.

الأستاذ الإمام: للمفسّرين في تفسير هذه الآية طريقان: أحدهما: إنّها على حدّ قوله تعالى:وَإِذَا بَدَّلْنَآ آيَةً مَّكَانَ آيَةٍ وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوۤاْ إِنَّمَآ أَنتَ مُفْتَرٍ } [النحل: 101] فالنسخ هنا بمعنى التبديل، أي إذا جعلنا آية بدلا من آية فإنّنا نجعل هذا البدل خيراً من المبدّل منه أو مثله على الأقل، فالآية عند هؤلاء في نسخ التلاوة. وقالوا: إنّ المراد بالنسيان هو أن يأمر الله تعالى بعدم تلاوة الآية فتنسى بالمرّة. قال: وهذا بمعنى التبديل، فما هي الفائدة في عطفه عليه بأو؟ وهل هو إلاّ تكرار يجلّ كلام الله عنه.

وثانيهما: إن المراد نسخ حكم الآية وهو عام يشمل نسخ الحكم وحده ونسخه مع التلاوة، وهذا هو القول المختار للجمهور، وقالوا في توجيهه، إنّه لا معنى لنسخ الآية في ذاتها ولا حاجة إليه، وإنّما الأحكام تختلف بإختلاف الزمان والمكان والأحوال، فإذا شرّع حكم في وقت لشدة الحاجة إليه، ثم زالت الحاجة في وقت آخر، فمن الحكمة أن يُنسخ الحكم ويبدّل بما يوافق الوقت الآخر فيكون خيراً من الأوّل، أو مثله في فائدته من حيث قيام المصلحة به. وقالوا: إن المراد بالإنساء إزالة الآية من ذاكرة النبيّ صلى الله عليه وسلم، وقد اختلف في هذا أيكون بعد التبليغ أم قبله؟ فقيل: بعده كما ورد في أصحاب بئر معونة وقيل: قبله، حتّى إن السيوطي روى في أسباب النزول إنّ الآية كانت تنزل على النبيّ صلى الله عليه وسلم ليلا فينساها نهاراً، فحزن لذلك فنزلت الآية. قال الأستاذ الإمام: ولا شك عندي في أن هذه الرواية مكذوبة وإن مثل هذا النسيان محال على الأنبياء عليهم السلام؛ لأنّهم معصومون في التبليغ والآيات الكريمة ناطقة بذلك كقوله تعالى:إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ } [القيامة: 17] وقوله:إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا ٱلذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ } [الحجر: 9] وقد قال المحدّثون والأصوليّون: إنّ من علامة وضع الحديث مخالفته للدليل القاطع عقليّاً كان أو نقليّاً، كأصول الإعتقاد وهذه المسألة منها فإنّ هذا النسيان ينافي العصمة المجمع عليها.

وقالوا في تفسير قوله تعالى بعد ما ذكر: { أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } إنّه ورد مورد الإستدلال على القدرة على النسخ بالمعنى الذي قالوه، أي إنّه لا يستنكر على الله كما زعم اليهود؛ لأنّه ممّا تناله قدرته، ثم استدل على ذلك بقوله: { أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ لَهُ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ } الآية.

السابقالتالي
2 3 4 5