Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير تفسير المنار / محمد رشيد بن علي رضا (ت 1354هـ) مصنف و مدقق


{ وَقَالَ ٱلْمَلِكُ ٱئْتُونِي بِهِ فَلَمَّا جَآءَهُ ٱلرَّسُولُ قَالَ ٱرْجِعْ إِلَىٰ رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ ٱلنِّسْوَةِ ٱللاَّتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ } * { قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدتُّنَّ يُوسُفَ عَن نَّفْسِهِ قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِن سُوۤءٍ قَالَتِ ٱمْرَأَتُ ٱلْعَزِيزِ ٱلآنَ حَصْحَصَ ٱلْحَقُّ أَنَاْ رَاوَدْتُّهُ عَن نَّفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ ٱلصَّادِقِينَ } * { ذٰلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِٱلْغَيْبِ وَأَنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِي كَيْدَ ٱلْخَائِنِينَ }

طلب الملك ليوسف وتمكثه في الإجابة لأجل التحقيق في مسألة النسوة:

من المعلوم بالبداهة إن الرسول بلغ الملك وملأه ما قاله له يوسف عليه السلام وأنهم فهموا منه أن الخطب جلل، وإن هذا الرجل ذو علم واسع، وتدبير لا يستغنى عنه فيما يصفه من حالي السعة والشدة، وقد طوي ذلك إيجازا لأنه يعلم من قوله تعالى:

{ وَقَالَ ٱلْمَلِكُ ٱئْتُونِي بِهِ } [يوسف: 50] لأسمع كلامه بأذني، وأختبر تفصيل رأيه ودرجة عقله بنفسي { فَلَمَّا جَآءَهُ ٱلرَّسُولُ } وبلغه أمر الملك { قَالَ ٱرْجِعْ إِلَىٰ رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ } قبل شخوصي إليه ووقوفي بين يديه: { مَا بَالُ ٱلنِّسْوَةِ ٱللاَّتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ } أي ما حقيقة أمرهن معي، فالبال الأمر الذي يهتم به ويبحث عنه، فهو يقول سله عن حالهن ليبحث عنه ويعرف حقيقته فلا أحب أن آتيه وأنا متهم بقضية عوقبت عليها أو عقبها بالسجن وطال مكثي فيه وأنا غير مذنب فأقبل منه العفو { إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ } وقد صرفه عني فلم يمسني منه سوء معهن، وربك لا يعلم ما علم ربه منه.

وفي هذا التريث والسؤال فوائد جليلة في أخلاق يوسف عليه السلام وعقله وأدبه في سؤاله (منها): دلالته على صبره وأناته، وجدير بمن لقي ما لقي من الشدائد أن يكون صبورا حليما، فكيف إذا كان نبياً وارثاً لإبراهيم الذي وصفه الله بالأواه الحليم؟ وفي حديث أبي هريرة في المسند والصحيحين مرفوعا: " ولو لبثت في السجن ما لبث يوسف لأجبت الداعي " وفي لفظ لأحمد: " لو كنت أنا لأسرعت الإجابة وما ابتغيت العذر " وأما ما رواه عبد الرزاق عن عكرمة في تعجب النبي من صبره وكرمه وكونه لو كان مكانه لما أول لهم الرؤيا حتى يشترط عليهم أن يخرجوه من السجن، ولو أتاه الرسول لبادرهم الباب... فهو مرسل لا يحتج به.

(ومنها): عزة نفسه وحفظ كرامتها إذ لم يرض أن يكون متهما بالباطل حتى يظهر براءته ونزاهته (ومنها): وجوب الدفاع عن النفس وإبطال التهم التي تخل بالشرف كوجوب اجتناب مواقفها (ومنها): مراعاته النزاهة بعد التصريح بشيء من الطعن على النسوة وترك أمر التحقيق إلى الملك يسألهن ما بالهن قطعن أيديهن وينظر ما يجبن به (ومنها): أنه لم يذكر سيدته معهن وهي أصل الفتنة وفاء لزوجها ورحمة بها لأن أمر شغفها به كان وجدانا قاهرا لها، وإنما اتهمها أولا عند وقوفه موقف التهمة لدى سيدها وطعنها فيه دفاعاً عن نفسه، فهو لم يكن له بد منه.

{ قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدتُّنَّ يُوسُفَ عَن نَّفْسِهِ } [يوسف: 51] الخطب الشأن العظيم الذي يقع فيه التخاطب والبحث لغرابته أو إنكاره ومنه قول إبراهيم للملائكة

السابقالتالي
2 3