الرئيسية - التفاسير


* تفسير تفسير المنار / محمد رشيد بن علي رضا (ت 1354هـ) مصنف و مدقق


{ وَقَالَ ٱلْمَلِكُ إِنِّيۤ أَرَىٰ سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلاَتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ يٰأَيُّهَا ٱلْمَلأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِن كُنتُمْ لِلرُّءْيَا تَعْبُرُونَ } * { قَالُوۤاْ أَضْغَاثُ أَحْلاَمٍ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ ٱلأَحْلاَمِ بِعَالِمِينَ } * { وَقَالَ ٱلَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَٱدَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَاْ أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ } * { يُوسُفُ أَيُّهَا ٱلصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنبُلاَتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ لَّعَلِّيۤ أَرْجِعُ إِلَى ٱلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ } * { قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعُ سِنِينَ دَأَباً فَمَا حَصَدتُّمْ فَذَرُوهُ فِي سُنبُلِهِ إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّا تَأْكُلُونَ } * { ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذٰلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّا تُحْصِنُونَ } * { ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذٰلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ ٱلنَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ }

رؤيا ملك مصر وتأويل يوسف لها بالقول والفعل:

كان ملك مصر في عهد يوسف من ملوك العرب المعروفين بالرعاة (الهكسوس) كما يأتي في التفسير الإجمالي، وقد رأى رؤيا عجز رجال دولته من الوزراء والكهنة والعلماء عن تأويلها، فكان عجزهم سبباً للجوء إلى يوسف عليه السلام واتصاله بالملك وتوليه منصب الوزير المفوض عنده كما بين في الآيات مبدأ وغاية، قال تعالى:

{ وَقَالَ ٱلْمَلِكُ } [يوسف: 43] هذا السياق عطف على سياق صاحبي السجن وما قالاه في قص رؤاهما على يوسف { إِنِّيۤ أَرَىٰ } أي رأيت فيما يرى النائم رؤيا جلية ماثلة أمامي كأني أراها الآن { سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ } جمع سمينة وكذا سمين كما يقال رجال ونساء كرام وحسان { يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ } أي سبع بقرات مهازيل في غاية الضعف والهزال، وهو جمع عجفاء سماعا لا قياساً فإن جمع أفعل وفعلاء وزان فعل بالضم كحمر وخضر، وحسنه هنا مناسبته لسمان { وَسَبْعَ سُنْبُلاَتٍ خُضْرٍ } عطف على سبع بقرات وهي جمع سنبلة كقنفدة ما يخرجه الزرع كالقمح والشعير فيكون فيه الحب { وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ } عطف على ما قبله، واليابس من السنبل ما آن حصاده، واستغنى عن إعادة سبع هنا بدلالة مقابله في البقرات عليه { يٰأَيُّهَا ٱلْمَلأُ } يخاطب رجال دولته وأشراف قومه { أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ } ما معناها وما تدل عليه فيكون مآلا لها { إِن كُنتُمْ لِلرُّءْيَا تَعْبُرُونَ } أي تعبرونها ببيان المعنى الحقيقي المراد من المعنى الخيالي، كمن يعبر النهر بالانتقال من ضفة إلى أخرى فاللام فيها للبيان والتقوية، فعبرها وعبورها بمعنى تأويلها وهو الإخبار بمآلها الذي يقع بعد.

{ قَالُوۤاْ أَضْغَاثُ أَحْلاَمٍ } [يوسف: 44] أي هي أو هذه الرؤيا من جنس أضغاث الأحلام أي الأحلام المختلطة من الخواطر والأخيلة التي يتصورها الدماغ في النوم فلا ترمي إلى معنى مقصود، وأصل الأضغاث جمع ضغث بالكسر وهو الحزمة من النبات أو العيدان، والأحلام جمع حلم بضمتين ويسكن للتخفيف وهو ما يرى في النوم يقال حلم كنصر واحتلم، ومنه بلوغ الحلم، والحلم قد يكون واضح المعنى كالأفكار التي تكون في اليقظة وقد يكون - وهو الأكثر مشوشاً - مضطربا لا يفهم له معنى وهو الذي يشبه بالتضاغيث كأنه مؤلف من حزم مختلفة من العيدان والحشائش التي لا تناسب بينها، وهو ما تبادر إلى أفهامهم من نوعي البقر والسنابل { وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ ٱلأَحْلاَمِ بِعَالِمِينَ } يحتمل قولهم هذا أنهم ليسوا بأولي علم بتأويل هذه الأحلام المختلطة المضطربة وإنما يعلمون تأويل غيرها من المنامات المعقولة المفهومة، ويحتمل نفي العلم بجنس الأحلام لأنها مما لا يعلم أو مما لا يكون له معنى بعيد تدل عليه الصور المتخيلة في النوم وتنتهي إليه، كما ينكر أهل العلم المادي الآن أن يكون لشيء من هذه الرؤى والأحلام تأويل صحيح، ولكن قدماء المصريين كانوا يعنون بها.

السابقالتالي
2 3