Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير محاسن التأويل / محمد جمال الدين القاسمي (ت 1332هـ) مصنف و مدقق مرحلة اولى


{ إِنَّ ٱلَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعاً لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَآ أَمْرُهُمْ إِلَى ٱللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ }

{ إِنَّ ٱلَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ } أي: اختلفوا فيه، مع وحدته في نفسه، فجعلوه أهواء متفرقة { وَكَانُواْ شِيَعاً } أي: فرقاً تشيع كل فرقة إماما لها بسحب غلبة تلك الأهواء. فلم يتعبدوا إلا بعادات وبدع، ولم ينقادوا إلا لأهواء وخدع { لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ } أي: من عقابهم. أو أنت بريء منهم محميّ الجناب عن مذاهبهم. أو المعنى: اتركهم فإن لهم مالهم.

وقال القاشانيّ: أي: لست من هدايتهم إلى التوحيد في شيء. إذ هم أهل التفرقة لا يجتمع هممهم ولا يتحد قصدهم { إِنَّمَآ أَمْرُهُمْ إِلَى ٱللَّهِ } أي: في جزاء تفرقهم ومكافأتهم، لا إليك، { ثُمَّ يُنَبِّئُهُم } يعني: إذا وردوا يوم القيامة { بِمَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ } أي: من السيئات والتفرقة، لمتابعة الأهواء. ويجازيهم على ذلك بما يماثل أفعالهم.

تنبيه

قال مجاهد وقتادة والضحاك والسدّيّ: نزلت هذه الآية في اليهود والنصارى. وروى العوفيّ عن ابن عباس في الآية؛ أن اليهود والنصارى اختلفوا قبل مبعث محمد صلى الله عليه وسلم فتفرقوا. وحمل بعضهم الآية على أهل البدع وأهل الشبهات وأهل الضلالة من هذه الأمة. وآخر على الخوارج، وأسندوا في ذلك حديثاً رفعوه.

قال ابن كثير: وإسناد ذلك لا يصحّ. ثم قال: والظاهر أن الآية عامة في كل من فارق دين الله وكان مخالفاً له. فإن الله بعث رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله، وشرعه واحد لا اختلاف فيه ولا افتراق. فمن اختلف فيه { وَكَانُواْ شِيَعاً } أي: فرقاً كأهل الملل والنحل والأهواء والضلالات، فإن الله تعالى قد برّأ رسول الله صلى الله عليه وسلم مما هم فيه، وهذه الآية كقوله تعالى:شَرَعَ لَكُم مِّنَ ٱلدِّينِ مَا وَصَّىٰ بِهِ نُوحاً وَٱلَّذِيۤ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ } الآية [الشورى: 13]. وفي الحديث: " نحن معاشر الأنبياء أولاد علات. ديننا واحد " فهذا هو الصراط المستقيم، وهو ما جاءت به الرسل من عبادة الله وحده لا شريك له، والتمسك بشريعة الرسول المتأخر. وما خالف ذلك فضلالات وجهالات وآراء وأهواء. والرسل برآء منها كما قال الله تعالى: { لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ }؛ ثم قال: وقوله تعالى: { إِنَّمَآ أَمْرُهُمْ إِلَى ٱللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ } كقوله تعالى:إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَٱلَّذِينَ هَادُواْ وَٱلصَّابِئِينَ وَٱلنَّصَارَىٰ وَٱلْمَجُوسَ وَٱلَّذِينَ أَشْرَكُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيامَةِ... } [الحج: 17] الآية. انتهى.

وقد أخرج أبو داود عن معاوية قال: قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: " ألا إنّ مَن قبلكم من أهل الكتاب افترقوا على ثنتين وسبعين ملّة. وإن هذه الملة ستفترق على ثلاث وسبعين. ثنتان وسبعون في النار، وواحدة في الجنة، وهي الجماعة " ورواه الترمذيّ عن عبد الله ابن عمرو، وفيه: قالوا: " من هي يا رسول الله؟ قال: " من كان على ما أنا عليه وأصحابي " ".

ثم بين لطفه سبحانه في حكمه وعدله يوم القيامة، فقال تعالى:

{ مَن جَآءَ بِٱلْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَن جَآءَ بِٱلسَّيِّئَةِ... }.