Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير محاسن التأويل / محمد جمال الدين القاسمي (ت 1332هـ) مصنف و مدقق مرحلة اولى


{ أَفَحُكْمَ ٱلْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ ٱللَّهِ حُكْماً لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ }

{ أَفَحُكْمَ ٱلْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ } أي: يريدون منك.

قال أبو السعود: إنكار وتعجب من حالهم وتوبيخ لهم. و (الفاء) للعطف على مقدر يقتضيه المقام. أي: أيتولون عن حكمك فيبغون حكم الجاهلية. وتقديم المفعول للتخصيص المفيد لتأكد الإنكار والتعجيب؛ لأن التوليّ عن حكمه عليه الصلاة والسلام. وطلب حكم آخر, منكر عجيب. وطلب حكم الجاهلية أقبح وأعجب. والمراد بـ (الجاهلية) إمّا الملة الجاهلية التي هي متابعة الهوى, الموجبة للميل والمداهنة في الأحكام، فيكون تعييراً لليهود بأنهم مع كونهم أهل كتاب وعلم, يبغون حكم الجاهلية التي هي هوى وجهل لا يصدر عن كتاب ولا يرجع إلى وحي. وإما أهل الجاهلية, وحكمهم ما كانوا عليه من التفاضل فيما بين القتلى. انتهى.

{ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ ٱللَّهِ حُكْماً } أي: قضاء { لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ } أي: ينظرون بنظر اليقين إلى العواقب. والاستفهام إنكار لأن يكون أحدٌ حكمُه أحسن من حكمه تعالى أو مساوياً له.

قال ابن كثير: ينكر تعالى على من خرج عن حكم الله المحكم - المشتمل على كل خير, الناهي عن كل شرّ - وعدل إلى ما سواه من الآراء والأهواء والاصطلاحات التي وضعها الرجال بلا مستند من شريعة الله؛ كما كان أهل الجاهلية يحكمون به من الضلالات والجهالات مما يضعونها بآرائهم وأهوائهم, وكما يحكم به التتارُ مِنَ السياسات الملكية المأخوذة عن جنكز خان الذي وضع لهم (الياسق) وهو عبارة عن كتاب مجموع من أحكام قد اقتبسها من شرائع شتى, من اليهودية والنصرانية والملة الإسلامية وغيرها. وفيها كثير من الأحكام أخذها من مجرد نظره وهواه, فصارت في بنيه شرعاً متبعاً يقدمونه على الحكم بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم. فمن فعل ذلك منهم فهو كافر يجب قتاله حتى يرجع إلى حكم الله ورسوله. فلا يحكم سواه في قليل ولا كثير. قال الله تعالى: { أَفَحُكْمَ ٱلْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ } ، أي: يبتغون ويريدون, وعن حكم الله يعدلون, { وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ ٱللَّهِ حُكْماً لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ } أي: ومن أعدل من الله في حكمه لمن عقل عن الله شرعه وآمن به وأيقن, وعلم أن الله تعالى أحكم الحاكمين وأرحم بخلقه من الوالدة بولدها؟ فإنه تعالى هو العالم بكل شيء, القادر على كل شيء, العادل في كل شيء. روى ابن أبي حاتم عن الحسن قال: من حكم بغير حكم الله فحكم الجاهلية. وكان طاوس إذا سأله رجل: أفضل بين ولدي في النحل؟ قرأ: { أَفَحُكْمَ ٱلْجَاهِلِيَّةِ... } الآية. وروى الطبرانيّ: عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أبغض الناس إلى الله عز وجل من يبتغي في الإسلام سنة الجاهلية، وطالب دم امرئ بغير حق ليريق دمه "

السابقالتالي
2