Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير محاسن التأويل / محمد جمال الدين القاسمي (ت 1332هـ) مصنف و مدقق مرحلة اولى


{ وَٱلَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَـآءَ ٱلنَّاسِ وَلاَ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَلاَ بِٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ وَمَن يَكُنِ ٱلشَّيْطَانُ لَهُ قَرِيناً فَسَآءَ قِرِيناً }

{ وَٱلَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَـآءَ ٱلنَّاسِ } أي: قصد رؤية الخلق إياه، غفلة عن الخالق تقدس، وعمايةً عنه، ليقال: ما أسخاهم وما أجودهم { وَلاَ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ } أي: الذي يتقرب إليه وحده ويتحرى بالإنفاق رضاه { وَلاَ بِٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ } الذي هو يوم الجزاء { وَمَن يَكُنِ ٱلشَّيْطَانُ لَهُ قَرِيناً } معينا في الدنيا { فَسَآءَ قِرِيناً } فبئس القرين والصاحب الشيطان، لأنه يضله عن الهدى ويحجبه عن الحق، وإنما اتصل الكلام هنا بذكر الشيطان، تقريعاً لهم على طاعته. والمعنى: من يكن عمله بما سول له الشيطان فبئس العمل عمله، ويجوز أن يكون وعيداً لهم بأن الشيطان يقرن بهم في النار.

لطيفة

قوله تعالى: { وَٱلَّذِينَ } عطف علىٱلَّذِينَ يَبْخَلُونَ } [النساء: 37] أو { على الكافرين } وإنما شاركوهم في الذم والوعيد لأن البخل كالإنفاق رياءً، سواء في القبح واستتباع اللائمة والذم. ويجوز أن يكون العطف بناء على إجراء التغاير الوصفيّ مجرى التغاير الذاتيّ، كما في قوله:
إلى الملك القرم وابن الهمام   وليث الكتيبة في المزدحم
أو مبتدأ خبره محذوف، يدل عليه قوله تعالى: { وَمَن يَكُنِ } إلخ أي: فقرينهم الشيطان، وإنما حذف للإيذان بظهوره واستغنائه عن التصريح به، أو التقدير: فلا يقبل إحسانهم لأن رياءهم يدل على تفضيلهم الخلق على الله، ورؤيتهم على ثوابه.

وقد روى مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " قال الله تبارك وتعالى: أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملاً أشرك معي فيه غيري تركته وشركه ".

وروى ابن أبي حاتم، في سبب نزول الآية، عن سعيد بن جبير قال: كان علماء بني إسرائيل يبخلون بما عندهم من العلم، فأنزل الله:ٱلَّذِينَ يَبْخَلُونَ } [النساء: 37] الآية.

وأخرج ابن جرير من طريق ابن إسحاق عن ابن عباس، أن رجالاً من اليهود كانوا يأتون رجالاً من الأنصار ينتصحون لهم، فيقولون: لا تنفقوا أموالكم، فإنا نخشى عليكم الفقر في ذهابها، ولا تسارعوا في النفقة، فإنكم لا تدرون ما يكون، فأنزل الله فيهم:ٱلَّذِينَ يَبْخَلُونَ } [النساء: 37] الآية.