Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير محاسن التأويل / محمد جمال الدين القاسمي (ت 1332هـ) مصنف و مدقق مرحلة اولى


{ وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَٱبْعَثُواْ حَكَماً مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِّنْ أَهْلِهَآ إِن يُرِيدَآ إِصْلَٰحاً يُوَفِّقِ ٱللَّهُ بَيْنَهُمَآ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيماً خَبِيراً }

{ وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا } أصله شقاقاً بينهما فأضيف الشقاق إلى الظرف، إما على إجرائه مجرى المفعول به اتساعاً، كقوله:بَلْ مَكْرُ ٱلَّيلِ وَٱلنَّهَارِ } [سبأ: 33]، أصله بل مكر في الليل والنهار، أو مجرى الفاعل بجعل البين مشاقاً والليل والنهار ماكرين، كما في قولك: نهارك صائم، والضمير للزوجين، ولم يجر ذكرهما لجري ما يدل عليهما، وهو الرجال والنساء، أي إن علمتم مخالفة مفرقة بينهما، واشتبه عليكم أنه من جهته أو من جهتها، ولا يفعل الزوج الصالح ولا الصفح ولا الفرقة، ولا تؤدي المرأة الحق ولا الفدية { فَٱبْعَثُواْ } أي: إلى الزوجين لإصلاح ذات البين وتبيّن الأمر. { حَكَماً } رجلاً صالحاً للحكومة والإصلاح ومنع الظالم من الظلم { مِّنْ أَهْلِهِ } أي: أقارب الزوج { وَحَكَماً مِّنْ أَهْلِهَآ } على صفة الأول، فإن الأقارب أعرف ببواطن الأحوال، وأطلب للإصلاح، فيلزمهما أن يَخْلُوا ويستكشفا حقيقة الحال فيعرفا أن رغبتهما في الإقامة أو الفرقة { إِن يُرِيدَآ } أي: الحكمان { إِصْلَٰحاً يُوَفِّقِ ٱللَّهُ بَيْنَهُمَآ } أي: يوقع بينهما الموافقة فيتفقان على الكلمة الواحدة ويتساندان في طلب الوفاق حتى يحصل الغرض ويتم المراد، أو الضمير الأول للحكمين، والثاني للزوجين، أي إن قصدا إصلاح ذات البين وكانت نيتهما صحيحة وقلوبهما ناصحة لوجه الله، بورك في وساطتهما، وأوقع الله بحسن سعيهما بين الزوجين الوفاق والألفة، وألقى في نفوسهما المودة والرحمة { إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيماً خَبِيراً } بظواهر الحكمين وبواطنهما، إن قصدا إفساداً يجازيهما عليه، وإلا يجازيهما على الإصلاح، روى ابن أبي حاتم وابن جرير عن عليّ بن أبي طلحة عن ابن عباس: أمر الله عز وجل أن يبعثوا رجلاً صالحاً من أهل الرجل ومثله من أهل المرأة، فينظران أيهما المسيء، فإن كان الرجل هو المسيء حجبوا عنه امرأته وقصروه على النفقة، وإن كانت المرأة هي المسيئة قصروها على زوجها ومنعوها النفقة. فإن اجتمع رأيهما على أن يفرقا أو يجمعا فأمرهما جائز. فإن رأيا أن يجمعا فرضي أحد الزوجين وكره الآخر، ثم مات أحدهما، فإن الذي رضي يرث الذي لم يرض، ولا يرث الكاره الراضي.

وروى عبد الرزاق في مصنفه عن ابن عباس قال: بعثت أنا ومعاوية حكمين، قال معمر: بلغني أن عثمان بعثهما وقال لهما: إن رأيتما أن تجمعا جمعتما، وإن رأيتمها أن تفرقا ففرقا. (وأسند) عن ابن أبي مليكة أن عقيل بن أبي طالب تزوج فاطمة بنت عتبة بن ربيعة فقالت: تصير إليّ وأنفق عليك، فكان إذا دخل عليها قالت: أين عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة؟ فقال: على يسارك في النار إذا دخلت. فشدت عليها ثيابها، فجاءت عثمان فذكرت له ذلك. فضحك، فأرسل ابن عباس ومعاوية فقال ابن عباس: لأفرقنّ بينهما، فقال معاوية: ما كنت لأفرق بين شخصين من بني عبد مناف، فأتياهما فوجداهما قد أغلقا عليهما أبوابهما، فرجعا.

السابقالتالي
2