Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير محاسن التأويل / محمد جمال الدين القاسمي (ت 1332هـ) مصنف و مدقق مرحلة اولى


{ وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَىٰ بَعْضُكُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيثَٰقاً غَلِيظاً }

{ وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ } إنكار لأخذه إثر إنكار، وتنفير عنه غب تنفير، على سبيل التعجب، أي: بأي وجه تستحلون المهر { وَقَدْ أَفْضَىٰ } أي: وصل { بَعْضُكُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ } فأخذ عوضه { وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيثَٰقاً غَلِيظاً } أي: عهداً وثيقاً مؤكداً مزيد تأكيد، يعسر معه نقضه، كالثوب الغليظ يعسر شقه.

قال الزمخشري: الميثاق الغليظ: حق الصحبة والمضاجعة، ووصفه بالغلظ لقوته وعظمه، فقد قالوا: صحبة عشرين يوماً قرابة، فكيف بما جرى بين الزوجين من الاتحاد والامتزاج؟ انتهى.

قال الشهاب الخفاجيّ: قلت بل قالوا:
صحبة يوم نسب قريب   وذمة يعرفها اللبيب
أو الميثاق الغليظ ما أوثق الله تعالى عليهم في شأنهم بقوله تعالى:فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَٰنٍ } [البقرة: 229] أو قول الوليّ عند العقد: أنكحتك على ما في كتاب الله: من إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان.

تنبيه في فوائد:

الأولى: في قوله تعالى:وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَاراً } [النساء: 20] دليل على جواز الإصداق بالمال الجزيل. وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه نهى عن كثرته ثم رجع عن ذلك. كما روى الإمام أحمد عن أبي العجفاء السلميّ قال: سمعت عمر بن الخطاب يقول: ألا لا تغلوا صدق النساء، ألا لا تغلوا صدق النساء، فإنها لو كانت مكرمة في الدنيا أو تقوى عند الله كان أولاكم بها النبي صلى الله عليه وسلم، ما أصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم امرأةً من نسائه، ولا أصدق امرأة من بناته، أكثر من اثنتي عشرة أوقية، وإن الرجل ليبتلى بصدقة امرأته (وقال مرة: وإن الرجل ليغلي بصدقة امرأته) حتى تكون لها عداوة في نفسه، وحتى يقول: كلفت إليك عَرَقَ القربة، ورواه أهل السنن، وقال الترمذيّ: هذا حديث صحيح.

وروى أبو يعلى عن مسروق قال: ركب عُمَر بن الخطاب منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال: أيها الناس! ما إكثاركم في صدق النساء! وقد كان رسول لله صلى الله عليه وسلم وأصحابه والصدقات فيما بينهم أربعمائة درهم فما دون ذلك، ولو كان الإكثار في ذلك تقوى عند الله أو كرامة لم تسبقوهم إليها، فلأعرفن ما زاد رجل في صداق امرأة على أربعمائة درهم. قال: ثم نزل، فاعترضته امرأة من قريش، فقالت: يا أمير المؤمنين! نهيت الناس أن يزيدوا في مهر النساء على أربعمائة درهم، قال: نعم، فقالت: أما سمعت ما أنزل الله في القرآن؟ قال: وأيّ ذلك؟ قالت: أما سمعت الله يقول:وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَاراً } [النساء: 20] الآية. قال: فقال: اللهم! غفراً، كل الناس أفقه من عمر، ثم رجع فركب المنبر فقال: أيها الناس! إني كنت نهيتكم أن تزيدوا النساء في صدقاتهن على أربعمائة درهم، فمن شاء أن يعطي من ماله ما أحب.

السابقالتالي
2 3 4