Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير محاسن التأويل / محمد جمال الدين القاسمي (ت 1332هـ) مصنف و مدقق مرحلة اولى


{ فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ ٱللَّهِ ٱلَّتِي فَطَرَ ٱلنَّاسَ عَلَيْهَا لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ ٱللَّهِ ذَلِكَ ٱلدِّينُ ٱلْقَيِّمُ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ } * { مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَٱتَّقُوهُ وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلاَةَ وَلاَ تَكُونُواْ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ } * { مِنَ ٱلَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعاً كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ }

{ فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ } أي: فقوّمه له، واجعله مستقيماً متوجهاً له. وفي النظم الكريم استعارة تمثيلية، بتشبيه المأمور بالتمسك بالدين ورعاية حقوقه وعدم مجاوزة حدوده والاهتمام بأموره، بمن أمر بالنظر إلى أمر، وعقد طرفه به، وتسديد نظره وتوجيه وجهه له، لمراعاته والاهتمام بحفظه { حَنِيفاً } أي: مائلا عن كل ما سواه، إليه. قال المهايميّ: ولا يعسر الرجوع إليه لكونه { فِطْرَتَ ٱللَّهِ ٱلَّتِي فَطَرَ ٱلنَّاسَ عَلَيْهَا } أي: لأن عقل كل واحد يدل على أنه حادث يفتقر إلى محدث. ولا دلالة على الافتقار إلى متعدد أبداً. فالقول بتعدده تغيير للفطرة. لكن { لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ ٱللَّهِ } أي: لا تغيير لأمر العقل الذي خلقه الله للاستدلال { ذَلِكَ } أي: الدين المأمور بإقامة الوجه له، أو الفطرة { ٱلدِّينُ ٱلْقَيِّمُ } أي: المستقيم الذي لا عوج فيه. قال المهايميّ: وإن لم يقم عند المبدلين دليل على استحالة التعدد، فهذا هو مقتضى الفطرة { وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ } أي: أنه مقتضى الفطرة. وهي أقطع قاطع وأحسم حاسم لشغب المشاغب. لأنها من الأمور التي لا تدخل تحت الكسب والاختيار.

وقوله تعالى: { مُنِيبِينَ إِلَيْهِ } أي: راجعين إليه بالتوبة والإنابةوَمَن يَغْفِرُ ٱلذُّنُوبَ إِلاَّ ٱللَّهُ } [آل عمران: 135] وهو حال من فاعل (الزموا) المقدَّر ناصباً لـ { فِطْرَتَ } أو من فاعل { أَقِمْ } على المعنى. إذ لم يرد به واحد بعينه, أو لأن الخطاب له صلى الله عليه وسلم ولأمته. أو على أنه على حذف المعطوف عليه. أي: أقم أنت وأمتك. والحال من الجميع { وَٱتَّقُوهُ وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلاَةَ وَلاَ تَكُونُواْ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ * مِنَ ٱلَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ } أي: جعلوه أدياناً مختلفة لاختلاف أهوائهم { وَكَانُواْ شِيَعاً } أي: فرقاً { كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ } أي: كل حزب منهم فرح بمذهبه، مسرور، يحسب باطله حقا.

قال القاشانيّ: يعني المفارقين الدين الحقيقيّ، المتفرقين شيعاً مختلفة، كل حزب عند تكدّر الفطرة، وتكاثف الحجاب، يفرح بما يقتضيه استعداده من الحجاب، لكونه مقتضى طبيعة حجابه، فيناسب حاله من الاستعداد العارضي، وإن لم يلائم الحقيقة بحسب الاستعداد. ولهذا يجب به التعذيب عند زوال العارض. اهـ.

ثم احتج عليهم برجوعهم إليه عند الشدائد، مما يحمل أن يرجع إليه بعبادته دائما، بقوله سبحانه: { وَإِذَا مَسَّ ٱلنَّاسَ ضُرٌّ... }.