Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير محاسن التأويل / محمد جمال الدين القاسمي (ت 1332هـ) مصنف و مدقق مرحلة اولى


{ ٱلزَّانِي لاَ يَنكِحُ إِلاَّ زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَٱلزَّانِيَةُ لاَ يَنكِحُهَآ إِلاَّ زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذٰلِكَ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ }

{ ٱلزَّانِي لاَ يَنكِحُ إِلاَّ زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَٱلزَّانِيَةُ لاَ يَنكِحُهَآ إِلاَّ زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذٰلِكَ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ }.

لما أمر الله بعقوبة الزانييْن، حرم مناكحتهما على المؤمنين، هجراً لهما ولما معهما من الذنوب كقوله:وَٱلرُّجْزَ فَٱهْجُرْ } [المدثر: 5] وجعل مجالس فاعل ذلك المنكر، مثلَه بقوله:إِنَّكُمْ إِذاً مِّثْلُهُمْ } [النساء: 140] وهو زوج له قال تعالى:ٱحْشُرُواْ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ وَأَزْوَاجَهُمْ } [الصافات: 22] أي: عشراءهم وأشباههم. ولهذا يقال: (المستمع شريك المغتاب) ورفع إلى عمر بن عبد العزيز قوم يشربون الخمر. وكان فيهم جليس لهم صائم، فقال: ابدءوا به في الجلد ألم يسمع قول الله تعالى:فَلاَ تَقْعُدُواْ مَعَهُمْ } [النساء: 140] فإذا كان هذا في المجالسة والعشرة العارضة حين فعلهم المنكر، يكون مجالسهم مثلا لهم، فكيف بالعشرة الدائمة: (والزوج) يقال له: العشير. كما في الحديث: " ويكفرن العشير " وأخبر أنه لا يفعل ذلك إلا زان أو مشرك. أما المشرك فلا إيمان له يزجره عن الفواحش ومجامعة أهلها. وأما الزاني ففجوره يدعوه إلى ذلك، وإن لم يكن مشركاً. وفيها دليل على أن الزاني ليس بمؤمن مطلق الإيمان. وإن لم يكن مشركا كما في الصحيح: " لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن " وذلك أنه أخبر أنه لا ينكح الزانية إلا زان أو مشرك، ثم قال تعالى: { وَحُرِّمَ ذٰلِكَ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ } فعلم أن الإيمان يمنع منه، وأن فاعله إما مشرك وإما زان، ليس من المؤمنين الذين يمنعهم إيمانهم من ذلك.

وذلك أن المزاناة فيها فساد فراش الرجل وفي مناكحتها معاشرة الفاجرة دائماً. والله قد أمر بهجر السوء وأهله ما داموا عليه، وهذا موجود في الزاني. فإنه إن لم يفسد فراش امرأته كان قرين سوء لها، كما قال الشعبي: من زوج كريمته من فاسق، فقد قطع رحمها. وهذا مما يدخل المرأة ضراراً في دينها ودنياها. فنكاح الزانية أشد من جهة الفراش. ونكاح الزاني أشد من جهة أنه السيد المالك الحاكم. فتبقى المرأة الحرة العفيفة في أسر الفاجر الزاني الذي يقصر في حقوقها، ويعتدي عليها، ولهذا اتفقوا على اعتبار الكفاءة في الدين، وعلى ثبوت الفسخ بفوات هذه الكفاءة. واختلفوا في صحة النكاح بدون ذلك. فإن من نكح زانية فقد رضى لنفسه بالقيادة والدياثة. ومن نكحت زانيا فهو لا يحصن ماءه، بل يضعه فيها وفي غيرها من البغايا. فهي بمنزلة المتخذة خدناً. فإن مقصود النكاح حفظ الماء في المرأة. وهذا لا يحفظ ماءه. والله سبحانه شرط في الرجال أن يكونوا محصنين غير مسافحين، فقال:وَأُحِلَّ لَكُمْ مَّا وَرَاءَ ذَٰلِكُمْ أَن تَبْتَغُواْ بِأَمْوَٰلِكُمْ مُّحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَٰفِحِينَ } [النساء: 24] وهذا مما لا ينبغي إغفاله. فإن القرآن قد قصه وبينه بياناً مفروضاً.

السابقالتالي
2 3 4