Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير محاسن التأويل / محمد جمال الدين القاسمي (ت 1332هـ) مصنف و مدقق مرحلة اولى


{ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَسْتَحْى أَن يَضْرِبَ مَثَلاً مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ وَأَمَّا ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَيَقُولُونَ مَاذَآ أَرَادَ ٱللَّهُ بِهَـٰذَا مَثَلاً يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ ٱلْفَٰسِقِينَ }

{ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَسْتَحْى أَن يَضْرِبَ مَثَلاً مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا } أي: يذكر مثلاً ما. يقال: ضرب مثلاً، ذكره، فيتعدى لمفعول واحد. أو صير، فلمفعولين.

قال أبو إسحاق: في قوله تعالى:وَٱضْرِبْ لهُمْ مَّثَلاً } [الكهف: 32، يس:13] أي: اذكر لهم. وعبارة الجوهري: ضرب الله مثلاً أي وصف وبين. وفي شرح نظم الفصيح: ضرب المثل: إيراده ليمتثل به، ويتصور ما أراد المتكلم بيانه للمخاطب. يقال: ضرب الشيء مثلاً، وضرب به؛ وتمثله، وتمثل به. ثم قال: وهذا معنى قول بعضهم: ضرب المثل اعتبار الشيء بغيره، وتمثيله به. و " ما " هذه اسمية إبهامية، وهي التي إذا اقترنت باسم نكرة أبهمته إبهاماً، وزادته شياعاً وعموماً - كقولك: أعطني كتاباً ما، تريد أي كتاب كان - كأنه قيل: مثلا ما من الأمثال أي مثل كان. فهي صفة لما قبلها. أو حرفية مزيدة لتقوية النسبة وتوكيدها - كما في قوله تعالى:فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ } [النساء: 155، المائدة: 13] - كأنه قيل: لا يستحيي أن يضرب مثلا حقا، أو البتة.

و { بَعُوضَةً } بدل من { مَثَلاً }. أو هما مفعولا { يَضْرِبَ } لتضمنه معنى الجعل والتصيير. ومعنى الآية: إنه تعالى لا يترك ضرب المثل بالبعوضة، ترك من يستحيي أن يتمثل بها لحقارتها. أي: لا يستصغر شيئاً يضرب به مثلاً - ولو كان في الحقارة والصغر كالبعوضة - كما لا يستنكف عن خلقها، كذلك لا يستنكف عن ضرب المثل بها. كما ضرب المثل بالذباب والعنكبوت في قوله:يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَٱسْتَمِعُواْ لَهُ إِنَّ ٱلَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ لَن يَخْلُقُواْ ذُبَاباً وَلَوِ ٱجْتَمَعُواْ لَهُ وَإِن يَسْلُبْهُمُ ٱلذُّبَابُ شَيْئاً لاَّ يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ ٱلطَّالِبُ وَٱلْمَطْلُوبُ } [الحج: 73]. وقال:مَثَلُ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَوْلِيَآءَ كَمَثَلِ ٱلْعَنكَبُوتِ ٱتَّخَذَتْ بَيْتاً وَإِنَّ أَوْهَنَ ٱلْبُيُوتِ لَبَيْتُ ٱلْعَنكَبُوتِ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ } [العنكبوت: 41]. وغير ذلك من أمثال الكتاب العزيز، فما استنكره السفهاء وأهل العناد والمراء، واستغربوه من أن تكون المحقرات من الأشياء ومضروباً بها المثل - ليس بموضع للاستنكار والاستغراب. من قِبَلِ أن التمثيل إنما يصار إليه لما فيه من كشف المعنى، ورفع الحجاب عن الغرض المطلوب، وإدناء المتوهم من المشاهدَ. فإن كان المتمثل له عظيماً، كان المتمثل به مثله. وإن كان حقيراً كان المتمثل به كذلك، فليس العظم والحقارة في المضروب به المثل إذاً، إلا أمراً تستدعيه حال المتمثل له وتستجره إلى نفسها، فيعمل الضارب للمثل على حسب تلك القضية. ألا ترى إلى الحق لما كان واضحاً، جلياً أبلج، كيف تمثل له بالضياء والنور؟ وإلى الباطل لما كان بضد صفته، كيف تمثل له بالظلمة؟ أفاده الزمخشري.

{ فَأَمَّا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ } شروع في تفصيل ما يترتب على ضرب المثل من الحكم إثر تحقيق حقية صدوره عنه تعالى - أي: فأما المؤمنون { فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ } - كسائر ما ورد منه تعالى - والحق هو الثابت الذي لا يسوغ إنكاره، وذلك لأن التمثل به مسوق على قضية مضربه، ومحتذي على مثال ما يستدعيه - كما جعل بيت العنكبوت مثل الآلهة التي جعلها الكفار أنداداً لله تعالى - وجعلت أقل من الذباب، وأخس قدراً، وضربت لها البعوضة فما دونها مثلاً ، لأنه لا حال أحقر من تلك الأنداد وأقل.

السابقالتالي
2