Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير محاسن التأويل / محمد جمال الدين القاسمي (ت 1332هـ) مصنف و مدقق مرحلة اولى


{ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَّنَعَ مَسَاجِدَ ٱللَّهِ أَن يُذْكَرَ فِيهَا ٱسْمُهُ وَسَعَىٰ فِي خَرَابِهَآ أُوْلَـٰئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَن يَدْخُلُوهَآ إِلاَّ خَآئِفِينَ لَّهُمْ فِي ٱلدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي ٱلآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ }

{ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَّنَعَ مَسَاجِدَ ٱللَّهِ أَن يُذْكَرَ فِيهَا ٱسْمُهُ وَسَعَىٰ فِي خَرَابِهَآ } إنكار واستبعاد لأن يكون أحد أظلمَ ممن فعل ذلك. ولما وجّه تعالى الذم فيما سبق في حق اليهود والنصارى، ذيَّله بذم المشركين في قوله:كَذَلِكَ قَالَ ٱلَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ } [البقرة: 113]. ثم وجهه بهذه الآية أيضاً للمشركين الذين أخرجوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه من مكة، ومنعوهم من الصلاة في المسجد الحرام، وصدوهم أيضا عنه، حين ذهب إليه النبيّ صلى الله عليه وسلم وأصحابه من المدينة عام الحديبية. وكل هذا تخريب للمسجد الحرام، لأن منع الناس من إقامة شعائر العبادة فيه، سعى في تخريبه. وأيّ خراب أعظم مما فعلوا؟ أخرجوا عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، واستحوذوا عليه بأصنامهم وأندادهم وشركهم، كما قال تعالى:وَمَا لَهُمْ أَلاَّ يُعَذِّبَهُمُ ٱللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ وَمَا كَانُوۤاْ أَوْلِيَآءَهُ إِنْ أَوْلِيَآؤُهُ إِلاَّ ٱلْمُتَّقُونَ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ } [الأنفال: 34]. وقال تعالى:مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَن يَعْمُرُواْ مَسَٰجِدَ ٱللهِ شَٰهِدِينَ عَلَىٰ أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَٰلُهُمْ وَفِي ٱلنَّارِ هُمْ خَٰلِدُونَ * إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَٰجِدَ ٱللَّهِ مَنْ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ وَأَقَامَ ٱلصَّلَٰوةَ وَءَاتَىٰ ٱلزَّكَٰوةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ ٱللَّهَ فَعَسَىٰ أُوْلَـٰئِكَ أَن يَكُونُواْ مِنَ ٱلْمُهْتَدِينَ } [التوبة: 17-18]. وقال تعالى:هُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّوكُمْ عَنِ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ وَٱلْهَدْيَ مَعْكُوفاً أَن يَبْلُغَ مَحِلَّهُ } [الفتح: 25] فإذا كان من آمن بالله واليوم الآخر الخ مصدوداً عنه، مطروداً منه فأيّ خراب له أعظم من ذلك. والعمارة إحياء المكان وشغله بما وضع له. وليس المراد بعمارته، زخرفته وإقامة صورته فقط، إنما عمارته بذكر الله فيه وإقامة شرعه فيه ورفعة عن الدنس والشرك، وإنما أوقع المنع على المساجد، وإن كان الممنوع هو الناس لما أن المآل عائد لها. ولا يقال: كيف قيل مساجد والمراد المسجد الحرام فقط؟ لأنه لا بأس أن يجيء الحكم عاما وإن كان السبب خاصاً، كما تقول: لمن آذى صالحاً واحداً: ومن أظلم ممن آذى الصالحين؟ وكما قال تعالى:وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ } [الهمزة: 1] والمنزول فيه واحد.

وقوله: { أُوْلَـٰئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَن يَدْخُلُوهَآ إِلاَّ خَآئِفِينَ } هذا بشارة من الله للمسلمين بأنه سيظهرهم على المسجد الحرام، ويذلّ لهم المشركين، حتى لا يدخل المسجدَ الحرامَ واحدٌ منهم إلا خائفا، يخاف أن يؤخذ فيعاقب، أو يقتل إن لم يُسلم، وقد أنجز الله صدق هذا الوعد فمنعهم من دخول المسجد الحرام. ونادى فيهم عام حجّ أبو بكر رضي الله عنه " ألا لا يحجن بعد العام مشرك ". فحج النبي صلى الله عليه وسلم من العام الثاني ظاهراً على المسجد الحرام، لا يجترئ أحد من المشركين أن يحج ويدخل المسجد الحرام.

السابقالتالي
2