Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير محاسن التأويل / محمد جمال الدين القاسمي (ت 1332هـ) مصنف و مدقق مرحلة اولى


{ قَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ وَلَداً سُبْحَانَهُ هُوَ ٱلْغَنِيُّ لَهُ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰت وَمَا فِي ٱلأَرْضِ إِنْ عِندَكُمْ مِّن سُلْطَانٍ بِهَـٰذَآ أَتقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ }

{ قَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ وَلَداً سُبْحَانَهُ } تنزيه له عن أن يجانس أحداً، أو يحتاج إليه، وتعجب من كلمتهم الحمقاء { هُوَ ٱلْغَنِيُّ } أي: الذي وجوده بذاته، وبه وجود كل شيء، فكيف يماثله شيء؟ ومن له الوجود كله، فكيف يجانسه شيء؟ والجملة علة لتنزيهه، وإيذان بأن اتخاذ الولد من أحكام الحاجة، إما للتقوى به، أو لبقاء نوعه { لَهُ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰت وَمَا فِي ٱلأَرْضِ } تقرير لغناه. أي: فهو مستغن بملكه لهم عن اتخاذ أحد منهم ولداً { إِنْ عِندَكُمْ مِّن سُلْطَانٍ بِهَـٰذَآ } أي: ما عندكم من حجة بهذا القول الباطل، توضيح لبطلانه، بتحقيق سلامة ما أقيم من البرهان الساطع عن المعارض. أي: ليس بعد هذا حجة تسمع. والمراد تجهيلهم، وأنه لا مستند لهم سوى تقليد الأوائل، وإتباع جاهل لجاهل.

تنبيه

دلت الآية على تسمية البرهان سلطاناً.

قال الإمام ابن القيم في (مفتاح دار السعادة): إنه سبحانه سمى الحجة العلمية سلطاناً. قال ابن عباس رضي الله عنه: كل سلطان في القرآن فهو حجة، وهذا كقوله تعالى: { إِنْ عِندَكُمْ مِّن سُلْطَانٍ بِهَـٰذَآ } ، يعني ما عندكم من حجة بما قلتم، إن هو إلا قول على الله بلا علم. وقوله تعالى:إِنْ هِيَ إِلاَّ أَسْمَآءٌ سَمَّيْتُمُوهَآ أَنتُمْ وَآبَآؤُكُم مَّآ أَنزَلَ ٱللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ } [النجم: 23]، يعني ما أنزل بها حجة ولا برهاناً، بل هي من تلقاء أنفسكم وآبائكم. وقوله تعالى:أَمْ لَكُمْ سُلْطَانٌ مُّبِينٌ } [الصافات: 156] يعني حجة واضحة، إلا موضعاً واحداً اختلف فيه، وهو قوله:مَآ أَغْنَىٰ عَنِّي مَالِيَهْ* هَّلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ } [الحاقة: 28-29]، فقيل: المراد به القدرة والملك، أي: ذهب عني مالي وملكي، فلا مال لي ولا سلطان. وقيل: هو على بابه، أي: انقطعت حجتي وبطلت، فلا حجة لي. والمقصود: أن الله سبحانه سمى علم الحجة سلطاناً؛ لأنها توجب تسلط صاحبها واقتداره، فله بها سلطان على الجاهلين، بل سلطان العلم أعظم من سلطان اليد، ولهذا ينقاد الناس للحجة ما لا ينقادون لليد، فإن الحجة تنقاد لها القلوب، وأما اليد فإنما ينقاد لها البدن، فالحجة تأسر القلب وتقوده، وتذل المخالف، وإن أظهر العناد والمكابرة فقلبه خاضع لها ذليل، مقهور تحت سلطانها، بل سلطان الجاه، إن لم يكن معه علم يساس به، فهو بمنزلة سلطان السباع والأسود ونحوها، قدرة بلا علم ولا رحمة، بخلاف سلطان الحجة، فإنه قدرة بعلم ورحمة وحكمة، ومن لم يكن له اقتدار في علمه، فهو إما لضعف حجته، وسلطانه، وإما لقهر سلطان اليد والسيف له، وإلا فالحجة ناصرة نفسها، ظاهرة على الباطل قاهرة له - انتهى.

{ أَتقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ } توبيخ وتقريع على جهلهم. قال الزمخشري: لما نفى عنهم البرهان، جعلهم غير عالمين، فدل على أن كل قول لا برهان عليه لقائله، فذلك جهل وليس بعلم.

وقال أبو السعود: فيه تنبيه على أن كل مقالة لا دليل عليها، فهي جهالة، وأن العقائد لا بد لها من برهان قطعي، وأن التقليد بمعزل من الاعتداد به.