Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان/ عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي (ت 1376هـ) مصنف و مدقق


{ فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ رَمَىٰ وَلِيُبْلِيَ ٱلْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاۤءً حَسَناً إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ } * { ذٰلِكُمْ وَأَنَّ ٱللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ ٱلْكَافِرِينَ } * { إِن تَسْتَفْتِحُواْ فَقَدْ جَآءَكُمُ ٱلْفَتْحُ وَإِن تَنتَهُواْ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَإِن تَعُودُواْ نَعُدْ وَلَن تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئاً وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلْمُؤْمِنِينَ }

يقول تعالى - لما انهزم المشركون يوم بدر، وقتلهم المسلمون - { فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ } بحولكم وقوتكم { وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ قَتَلَهُمْ } حيث أعانكم على ذلك بما تقدم ذكره. { وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ رَمَىٰ } وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم وقت القتال دخل العريش وجعل يدعو اللّه، ويناشده في نصرته، ثم خرج منه، فأخذ حفنة من تراب، فرماها في وجوه المشركين، فأوصلها اللّه إلى وجوههم، فما بقي منهم واحد إلا وقد أصاب وجهه، وفمه وعينيه منها، فحينئذ انكسر حدهم، وفتر زندهم، وبان فيهم الفشل والضعف، فانهزموا. يقول تعالى لنبيه: لست بقوتك - حين رميت التراب - أوصلته إلى أعينهم، وإنما أوصلناه إليهم بقوتنا واقتدارنا. { وَلِيُبْلِيَ ٱلْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاۤءً حَسَناً } أي: إن اللّه تعالى قادر على انتصار المؤمنين من الكافرين، من دون مباشرة قتال، ولكن اللّه أراد أن يمتحن المؤمنين، ويوصلهم بالجهاد إلى أعلى الدرجات، وأرفع المقامات، ويعطيهم أجراً حسناً وثواباً جزيلاً. { إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ } يسمع تعالى ما أسر به العبد وما أعلن، ويعلم ما في قلبه من النيات الصالحة وضدها، فيقدر على العباد أقداراً موافقة لعلمه وحكمته ومصلحة عباده، ويجزي كلا بحسب نيته وعمله. { ذٰلِكُمْ } النصر من اللّه لكم { وَأَنَّ ٱللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ ٱلْكَافِرِينَ } أي: مضعف كل مكر وكيد يكيدون به الإسلام وأهله، وجاعل مكرهم محيقاً بهم. { إِن تَسْتَفْتِحُواْ } أيها المشركون، أي: تطلبوا من اللّه أن يوقع بأسه وعذابه على المعتدين الظالمين. { فَقَدْ جَآءَكُمُ ٱلْفَتْحُ } حين أوقع اللّه بكم من عقابه، ما كان نكالاً لكم وعبرة للمتقين { وَإِن تَنتَهُواْ } عن الاستفتاح { فَهُوَ خَيْرٌ } لأنه ربما أمهلتم، ولم يعجل لكم النقمة. { وَإِن تَعُودُواْ } إلى الاستفتاح وقتال حزب الله المؤمنين { نَعُدْ } في نصرهم عليكم. { وَلَن تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ } أي: أعوانكم وأنصاركم، الذين تحاربون وتقاتلون، معتمدين عليهم، شَيئاً وأن الله مع الْمؤمنين. ومن كان اللّه معه فهو المنصور وإن كان ضعيفاً قليلاً عدده، وهذه المعية التي أخبر اللّه أنه يؤيد بها المؤمنين، تكون بحسب ما قاموا به من أعمال الإيمان. فإذا أديل العدو على المؤمنين في بعض الأوقات، فليس ذلك إلا تفريطاً من المؤمنين وعدم قيام بواجب الإيمان ومقتضاه، وإلا فلو قاموا بما أمر اللّه به من كل وجه، لما انهزم لهم راية [انهزاماً مستقراً]، ولا أديل عليهم عدوهم أبداً.