Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان/ عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي (ت 1376هـ) مصنف و مدقق


{ مَّا جَعَلَ ٱللَّهُ لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ ٱللاَّئِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَآءَكُمْ أَبْنَآءَكُمْ ذَٰلِكُمْ قَوْلُكُم بِأَفْوَاهِكُمْ وَٱللَّهُ يَقُولُ ٱلْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي ٱلسَّبِيلَ } * { ٱدْعُوهُمْ لآبَآئِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِندَ ٱللَّهِ فَإِن لَّمْ تَعْلَمُوۤاْ آبَاءَهُمْ فَإِخوَانُكُمْ فِي ٱلدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَآ أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَـٰكِن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً }

يعاتب تعالى [عباده] عن التكلم بما ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله فإن لم تعلموا آباءهم فإخوانكم في الدين ومواليكم وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به ولكن ما تعمدت قلوبكم وكان الله غفوراً رحيماً لا حقيقة له من الأقوال، ولم يجعله الله تعالى كما قالوا، فإن ذلك القول منكم كذب وزور، يترتب عليه منكرات من الشرع. وهذه قاعدة عامة في التكلم في كل شيء، والإخبار بوقوع ووجود ما لم يجعله اللّه تعالى. ولكن خص هذه الأشياء المذكورة لوقوعها، وشدة الحاجة إلى بيانها، فقال: { مَّا جَعَلَ ٱللَّهُ لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ } هذا لا يوجد، فإياكم أن تقولوا عن أحد: إن له قلبين في جوفه، فتكونوا كاذبين على الخلقة الإلهية. { وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ ٱللاَّئِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ } بأن يقول أحدكم لزوجته: " أنتِ عَليَّ كظهر أُمي أو كأمي " فما جعلهن اللّه { أُمَّهَاتِكُمْ } أمك مَنْ ولدتك، وصارت أعظم النساء عليك حرمة وتحريماً، وزوجتك أحلُّ النساء لك، فكيف تشبه أحد المتناقضين بالآخر؟ هذا أمر لا يجوز، كما قال تعالى:ٱلَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنكُمْ مِّن نِّسَآئِهِمْ مَّا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلاَّ ٱللاَّئِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنكَراً مِّنَ ٱلْقَوْلِ وَزُوراً } [المجادلة: 2]. { وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَآءَكُمْ أَبْنَآءَكُمْ } والأدعياء، الولد الذي كان الرجل يدّعيه، وهو ليس له، أو يُدْعَى إليه، بسبب تبنيه إياه، كما كان الأمر بالجاهلية، وأول الإسلام. فأراد اللّه تعالى أن يبطله ويزيله، فقدم بين يدي ذلك بيان قبحه، وأنه باطل وكذب، وكل باطل وكذب، لا يوجد في شرع اللّه، ولا يتصف به عباد اللّه. يقول تعالى: فاللّه لم يجعل الأدعياء الذين تدعونهم، أو يدعون إليكم، أبناءكم، فإن أبناءكم في الحقيقة، من ولدتموهم، وكانوا منكم، وأما هؤلاء الأدعياء من غيركم، فلا جعل اللّه هذا كهذا. { ذَٰلِكُمْ } القول الذي تقولون في الدعي: إنه ابن فلان الذي ادعاه، أو والده فلان { قَوْلُكُم بِأَفْوَاهِكُمْ } أي: قول لا حقيقة له ولا معنى له. { وَٱللَّهُ يَقُولُ ٱلْحَقَّ } أي: اليقين والصدق، فلذلك أمركم باتباعه على قوله وشرعه، فقوله حق، وشرعه حق، والأقوال والأفعال الباطلة لا تنسب إليه بوجه من الوجوه، وليست من هدايته، لأنه لا يهدي إلاّ إلى السبيل المستقيمة، والطرق الصادقة. وإن كان ذلك واقعًا بمشيئته، فمشيئته عامة، لكل ما وجد من خير وشر. ثم صرّح لهم بترك الحالة الأولى، المتضمنة للقول الباطل فقال: { ٱدْعُوهُمْ } أي: الأدعياء { لآبَآئِهِمْ } الذين ولدوهم { هُوَ أَقْسَطُ عِندَ ٱللَّهِ } أي: أعدل وأقوم وأهدى. { فَإِن لَّمْ تَعْلَمُوۤاْ آبَاءَهُمْ } الحقيقيين { فَإِخوَانُكُمْ فِي ٱلدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ } أي: إخوتكم في دين اللّه ومواليكم في ذلك، فادعوهم بالأخوة الإيمانية الصادقة، والموالاة على ذلك، فترك الدعوة إلى مَنْ تبناهم حتم، لا يجوز فعلها.

السابقالتالي
2