Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان/ عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي (ت 1376هـ) مصنف و مدقق


{ وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرَآئِقَ وَمَا كُنَّا عَنِ ٱلْخَلْقِ غَافِلِينَ } * { وَأَنزَلْنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّٰهُ فِي ٱلأَرْضِ وَإِنَّا عَلَىٰ ذَهَابٍ بِهِ لَقَٰدِرُونَ } * { فَأَنشَأْنَا لَكُمْ بِهِ جَنَّاتٍ مِّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ لَّكُمْ فِيهَا فَوَاكِهُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ } * { وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِن طُورِ سَيْنَآءَ تَنبُتُ بِٱلدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِّلآكِلِيِنَ }

لما ذكر تعالى خلق الآدمي، ذكر سكنه، وَتَوفُّر النعم عليه من كل وجه فقال: { وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ } سقفاً للبلاد، ومصلحة للعباد { سَبْعَ طَرَآئِقَ } أي: سبع سماوات طباقاً، كل طبقة فوق الأخرى، قد زينت بالنجوم والشمس والقمر، وأودع فيها من مصالح الخلق ما أودع، { وَمَا كُنَّا عَنِ ٱلْخَلْقِ غَافِلِينَ } فكما أن خلقنا عام لكل مخلوق، فعلمنا أيضاً محيط بما خلقنا، فلا نغفل مخلوقاً ولا ننساه، ولا نخلق خلقاً فنضيعه، ولا نغفل عن السماء فتقع على الأرض، ولا ننسى ذرة في لجج البحار وجوانب الفلوات، ولا دابة إلا سقنا إليها رزقهاوَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي ٱلأَرْضِ إِلاَّ عَلَى ٱللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا } [هود: 6] وكثيراً ما يقرن تعالى بين خلقه وعلمه كقوله:أَلاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ ٱللَّطِيفُ ٱلْخَبِيرُ } [الملك: 14]بَلَىٰ وَهُوَ ٱلْخَلاَّقُ ٱلْعَلِيمُ } [يس: 81] لأن خلق المخلوقات، من أقوى الأدلة العقلية، على علم خالقها وحكمته. { وَأَنزَلْنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً } يكون رزقاً لكم ولأنعامكم بقدر ما يكفيكم، فلا ينقصه، بحيث لا يكفي الأرض والأشجار، فلا يحصل منه المقصود، ولا يزيده زيادة لا تحتمل، بحيث يتلف المساكن، ولا تعيش معه النباتات والأشجار، بل أنزله وقت الحاجة لنزوله، ثم صرفه عند التضرر من دوامه، { فَأَسْكَنَّٰهُ فِي ٱلأَرْضِ } أي: أنزلناه عليها، فسكن واستقر، وأُخرج بقدرة منزله، جميع الأزواج النباتية، وأسكنه أيضاً معداً في خزائن الأرض، بحيث لم يذهب نازلاً، حتى لا يوصل إليه، ولا يبلغ قعره، { وَإِنَّا عَلَىٰ ذَهَابٍ بِهِ لَقَٰدِرُونَ } إما بأن لا ننزله، أو ننزله، فيذهب نازلاً لا يوصل إليه، أو لا يوجد منه المقصود منه، وهذا تنبيه منه لعباده أن يشكروه على نعمته، ويقدروا عدمها، ماذا يحصل به من الضرر، كقوله تعالى:قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَآؤُكُمْ غَوْراً فَمَن يَأْتِيكُمْ بِمَآءٍ مَّعِينٍ } [الملك: 30]. { فَأَنشَأْنَا لَكُمْ بِهِ } أي: بذلك الماء { جَنَّاتٍ } أي: بساتين { مِّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ } خص تعالى هذين النوعين، مع أنه ينشئ منه غيرهما من الأشجار، لفضلهما ومنافعهما، التي فاقت بها الأشجار، ولهذا ذكر العام في قوله: { لَّكُمْ فِيهَا } أي: في تلك الجنات { فَوَاكِهُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ } من تين، وأترج، ورمان، وتفاح وغيرها ، { وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِن طُورِ سَيْنَآءَ } وهي شجرة الزيتون، أي: جنسها، خصت بالذكر، لأن مكانها خاص في أرض الشام، ولمنافعها، التي ذكر بعضها في قوله: { تَنبُتُ بِٱلدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِّلآكِلِيِنَ } أي: فيها الزيت، الذي هو دهن، يستعمل استعماله من الاستصباح به، واصطباغ الآكلين، أي: يجعل إداماً للآكلين، وغير ذلك من المنافع.